أرشيف قسم 'نوافذ بيضاء'

و تنتظركِ أناشيد المطر .

Majed

 

و تنتظركِ الأحلام .. والابتسامات ..
يا أنثَى الحلم و البَياض ..

يا مَن ستعيدين ترتيب تَاريخي ،
و تصنَعي من كلَّ همسة متحفاً يضج بالحب ، بالعشق ،
و الوفاء الذي سيحّلق في حدائقنا الغنّاء ، و يقف على أشجارنا كطائر يشدو الفرح و الغرام ..

و ينتظركِ الحنين ،
و الشوق الذي لا يُبعث إلا بين عينيكِ ، و في محرابكِ الذي لا أبغي سِواه .
و تنتَظركِ الليالي الطِوال ،
و الأمَاني التي تتحَّسس نُور فجركِ بينَ كفَّين حجبت ظَلام الأوجاع ..

سأكون المدَّ الذي يملئ ربيعكِ بالأزهار ..
و الغيم الذي يغدق بخَيره على حبنا المعطَاء ..

لنرقص سوياً حبيبتي ، و لنغّني أحلى الأشعار ..
أيا حُبنا الكبير ، أزهر ،
و خُذ بأيدينا إلى السحاب ،

ستُمطر السمَاء من فوقنا شجناً ..
و ستنمو جذور الحب على أرضٍ لملمت شملنا وطناً ..
لنلّحن بهمساتنا أناشيد المطَر ..
و نترّنم برذاذها ولهاً حتى مطلع الفجر ..

يا تُربةً يطيب للروح استنشاقها من بعد غيثٍ ..
و يا حمامةً تكسو سمائي بهديلها و القمر ..

أنتِ نوري الذي لا أرجو من بعده كلَّ الأنوار ..
و دهشتي المرسومة على حدقتي التي لا ترى سواكِ ..
أحبكِ يا مقلتي ، و إن اختفت الأنظار ..

أنت روحي إن كنتُ لستُ أراها .. فهي أدنى إليّ من كُلِّ دانِ*

Share and Enjoy:
  • Facebook
  • Google Bookmarks
  • Blogplay
  • MyShare
  • MySpace
  • Twitter
  • Yahoo! Buzz
  • PDF
  • RSS

كتب بواسطة ماجدالرابط الثابتالتعليقات (26)اكتب تعليق »

شارع برايندلي ( 7 )

مارس 2002 م

ما معنى أن تُحب بفوضى ؟ هل جّرب أحد العشّاق الحقيقيون بأن يتوازنوا ما بين خطٍ فاصل لحُبّين مختلفين ؟ هنا سيبدو الأمر صعباً بكل ما تعنيه الكلمة من معنَى ، فالحب بمعناه الحقيقي هو مُحاولة لصُنع قاعدة واحدة تلم شمل المُحب و خليله ، و الحب بمعناه الفوضوي هو مُحاولة لترتيب صُورة متقاطعة تُرضي مزاجية صاحبها المتقّلب .. يقَّلب بقِطعها كيفما يشاء ..

في الحقيقية ، أملك في قلبي حُباً فوضوياً حقيقياً ! أريد أن أقّلب قاعدتي ما بين آشلي الغائبة و كريستينا الحاضرة ، أريد أن أرّتب الصُورة التي تُلائم مقاس رغبتي لكل يوم ، كأن أرى وجهاً يجمع زُرقة عينيّ آشلي و أنفها الصغير ، و شفاه كريستينا البارزة و بشرتها البرونزية ، و أعيش مستمتعاً بهذا الحب الفوضوي الحقيقي . أرغب ( بطريقةٍ ما ) بان أجمع حُبهما في معادلة من الدرجة الثانية لأحصل على جوابين صحيحين تماماً ..

آشلي يا جميلتي ، سأخبركِ بسر قبل ولوجي من باب حب كريستينا الكبير ، كم أحبكِ كثيراً يا فتاتي الكسولة ، و كم أعشق روحكِ المُغامرة يا طفلتي الحبيبة . كيف سيبدو شارع برايندلي من دُونك ؟ و من سيحيك لي الأمان إن عبرتُ من خلاله ؟ وما عدد الوخزات التي ستُصيب قدميّ و قَلبي إن صدف أمام عينيّ ؟

وداعاً حبيبتي ، وداعاً لصمتكِ الذي قتلني ، وداعاً لأحزاني التي تشّبثت بدروبكِ الباحثة عني ، وداعاً للوعد الذي منحتكِ إياه بأن أبقى معكِ للأبد ، و حبيباً لكِ لحين أموت ، و وداعاً لكل الكنائس التي قَبلت توبتكِ من حُبي و لم تقبل صلاتي لأن تكوني معي ..

* * * * *

صافحتُ حبي الجديد بحرارة ، و ضممته بكل ما أملك من دفءٍ متبَّقي بأوردتي ، لم أشعر بهذه الطمأنينة مُنذ زمنٍ بعيد ، هي طمأنينة الولوج لباب حُبٍ يُفتح لأول مرّة . كمَن يُعاني من حرارة ظهيرةٍ ساخنة ، و يدخل بشكل مفاجئ إلى زاوية مكّيفة تُوازن كل أحاسيسه المشتتة بسبب سخونة الأيام و قسوتها ..

ما ألذ هذا المدعو بالحُب ، وما أكبر بابه ، أنا الذي أخطو إليه بجديّة أكبر هذه المرّة ، و أقطف من ثماره المنسدلة على أطراف حدائقه الغنّاءة . هذا الحب أشبه بجنّة كبيرة جداً ، أُعِّدت لكي أنعَم بمحاصيلها التي لا تنتظر أي مُستهلكٍ في هذا العالم سواي ..
هذه الزهور البديعة تنتظر رقصتي ، و تلك النحلات مُستعدّة لأني تبني مملكة متكاملة من حبوب لقاحي المنثورة بكل أرجاءها ..

هذه الجنّة لا تُشبه جنّتي القديمة مع آشلي .
بالسابق ، لم أكن أملك صكوكاً شرعية تخّولني لبناء أيَّ قطعةٍ بها ، فسُور زواجها قَسَم تلك الجنّة إلى قسمين ، قسمٌ برعاية زوجها ، يُشرف به كيفما يشاء ، و الآخر برعايتي المرتعشة ، و لا أُشرف سِوى على بقايا ذلك الرجل ليلاً ، فأنا أخاف النهار برفقتها لكي لا ترانا السماء ، على عكس اندرسون الذي يُمارس كافة أنشطته معها دون أي يخاف من حرارة الشمس ، ولا من لهيب الألسنة التي تحرق دون اكتراث ..

لم أصّدق أن جنّة كريستينا بهذا المتّسع الذي يحتويني ..
جميع الأشجار ناضجة ، جميع الفواكه محّللة و جاهزة للأكل ، و كل الأراضي قابلة للزراعة و الرَّي من قِبلي ، حيث لا رماد يجر من خلفه خيبات الماضي ، و لا خريف ليقتلع موسم ربيعي .

حبّها أشبه بفكرة زينوب غرام حين أكتشف موّلده الكهربائي لأول مرَّة ، إذ أضاءت فكرتها كلَّ مساحات حبي المظلمة ، سواءً تلك المعطوبة من قِبل آشلي أو حتى الجديدة التي لم تُكتشف بعد ! سأكون التجربة التي تُعلن نجاح اكتشافك ، و تكوني الفكرة المدّونة في سماء كل مهتّم بأوائل الاكتشافات ..

سأزرع القرنفل بكل حدائقنا ، و أعلن بأنكِ موسم حصادي الطامع إليه ..
سأحبكِ و أحبكِ و أحبكِ ..
و ستُحبكِ كل حديقة ، و كل زهرة ليمون نبتت بجواركِ ..

* * * * *

تناولت أحد دفاتري القديمة و دوّنت تاريخ حزني اليوم ، و بدأت بكتابة بعض القصائد في أركان هوامشه ، أعدت النظر لها فوجدتها هي الأخرى تختبئ بعيداً عن الأسطر ، و لا تملك الثقة الكافية لأن تقف فوقه بثبات. مكتوبةٌ بشكلٍ مائل غير مُغرٍ للقراءة ، كأنها معّدة لأن تُقرأ مرةً واحدة فقط ، و من ثم تصبح غير قابلة للاستعمال ..

توالي الأحداث يكّدس الكثير في ذاكرة مفاهيمي ، و نظرتي للكثير من الأمور في تغيرٍ مستمر ، حتى الحب الذي لم أُلقي له بالاً بأيامي الخوالي ، بدأ بالوُلوج العميق بي ، نظرتي للأنثى لم تَعد عابرة ، و أصبح تفصيلها من ضمن هواياتي المحببة ، كأن أفهم كيف تفكر ، أو حتى كيف ترى الحياة من عينيها ، و ما هو تعريفها للحب وما هي أطواره الأكثر لذة لنكهة مزاجها الخاصة ..

آه من النوم ، و الفراغ الشاسع الساكن به و الذي لا يجعلنا نتذوق النكهة الأخيرة من الحلم ، كم من قبرٍ سيضم أمانينا ؟ وهل سيتمكن دود الأرض من تَحليل كافة جزيئاتها ؟

الحب إجمالاً يُشبه لعبة شدّ الحبل ، يجر آدم شوقه برفق ، و يستحث حواء لأن تُشاركه اللعب ، و تبدأ الإثارة فيما بينهما ، كلاً يريد إثبات وجوده لتستمر حكاياتهما بالضحكات المتناثرة في تلك الأجواء ..

و بعد حينٍ من الزمن ..

تتساوى قوّة الأشواق ، ليستقر الحبل في منتصف حبهما ، و يرضيا بتلك القسمة في بينهما ،

لم يكن الحبل جاداً بيني وبين كريستينا ، كانت تحاول أن تربطه بشيءٍ ما بجسدي ، و لم أشعر بهِ إلا مؤخراً ..

كانت تلك المكالمة هي الميثاق الذي استمسكَ بعروتي الوثقى ،
و أخذت بكلي إلى قلبها ،

لم يكن الأمر سهلاً ، فبدايتي كانت شبه حمقاء ، و لم أكن قادراً على توزيع مشاعري بالشكل الذي ينبغي أن تظهر به . في ذلك الوقت ، شعرت بأن الخوف قد دبَّ بقلبك ، و صناعتي لذلك الضجيج المدّوي من حولك لم يكن إلا ناتجاً من معادلات تهوري .

عملية جمعي لما بين قوسيّ مشاعرك تمّت قبل ضربهما ، و هذا ما أدّى إلى بعض الفوضى ، و ظهور بعض النتائج عكس حقيقتها ، و على ذلك وُجِد خوفك الذي أسعى جاهداً لأن أزيله من أعماق جذوره ، و أن أجمع حُسن الرجال في جسدي الذي احَّبكِ ، و أصبح خياركِ الدائم في مشاعرك الرقيقة ..

حُبكِ أصبح شرياناً ثالثاً في قلبي ، إذ تتعاطى خلاياه كافة أحاسيسك ذهاباً و إياباً ، و يحمل بين أنابيبهِ كل تلك المشاعر اللذيذة التي تنعش فوضى حواسي ، حبكِ هو القادر على إعادة تهيئتي من جديد ، و هو الذي يأخذني إلى عالمكِ المليء بالألوان و الرذاذ ..

المُقتحم كما يُعَّرفه الناس ، هو ذلك السيئ الذي يتجاوز حقوق غيرهِ بغض النظر عن الأهداف المرجوّة من فعلته ..

و الاقتحام بنظري هو الحياة ، خصوصاً ذلك المختبئ خلف الأحاسيس البشرية ..

هل تُدركي ما حجم الاقتحام الذي أقدَمتُ عليه معكِ ؟

هذا الاقتحام أشبه بعاصفةٍ هوجاء ضربت ساحل لم يتذوق طعمَ فيضان ، ذلك الشُعور الذي يخلق الفوضى من قلب الأمان ، من يصّدق أن هذا البحر الهادئ قام بكل ذلك ؟

ما زلت أشعر بثِقل كاهلي من هذا الحب ، كيف لقلبي المرهف  أن يجمع ما بين حُبين مختلفين بآنٍ واحد ؟

يقول شوبنهاور : ” كل مآسينا تقريبا تنبع من صلاتنا بالآخرين ” ..
أنا الذي أصارع اليأس و المآسي جرّاء معرفتي بكما ، و أعاني من الفوضى التي بلّلت كل رداء في خزينة حياتي. كان لابد لي من حقيقة سامية ترتقي فوق كل كذبة ، كالشمس مثلاً ، فهي تجّفف كل بللٍ بلا مُقابل و تسعى لأن تُنير كل زاوية بهذا الكون الفسيح ، و ترحل باتزان عظيم لتتّزن أجسادنا بدورة حياتها ..

لقراءة الرواية من جُزءها الأول .. اضغط هنا

Share and Enjoy:
  • Facebook
  • Google Bookmarks
  • Blogplay
  • MyShare
  • MySpace
  • Twitter
  • Yahoo! Buzz
  • PDF
  • RSS

كتب بواسطة ماجدالرابط الثابتالتعليقات (10)اكتب تعليق »

طيف أنفاسكِ الغائب ..

majed 

 

لا أعلم كيف أبدأ بكتابة حُبكِ ،
ذلك الذي أشعل مُدن الوله في كل أوطاني ،
و جعلني أتهادى إلى قلبكِ كطفلٍ تائه ، يبحث عن عنوانه الأزلي بكِ ،

أكتبكِ اليوم بشوقٍ لا يبغي سواكِ ،
ولا يحترقُ إلا لأجلكِ الذي يُحبني ،

أحبكِ كصرخة تُنادي باسمك في وضح النهار ، أحبكِ فوق كل رغبة و منطق ، أحبكِ سِحراً يعجن ملامح غرامي كسهم ، و تكوني ذلك القلب المُستقبل لشيءٍ يهوى الانتماء لكِ ..

كم أذوب بين شفتيكِ التي تُداعبني هياماً ، و كم أتوه بالبحث عن كَلمةٍ تَروي كياني الممتلئ بكِ ،
أحبكِ فوق كل واقع ، و فوق كل فجوة تصنع فراغاً بحبنا ،
أحبكِ دثاراً يحجب كل آلامي ، و قبعةً تحميني من عجيج هذه الحياة ..

أنتِ الرؤى التي طمست كل أحلامي ،
أنتِ الفرح الذي قَّلص مسامات أحزاني ..

أحبكِ وطناً لا يأبه إلا بسياستي ، و نُوراً لا يُضيء سوى مساحاتي المفتونة بكِ ..
أحبكِ طفلةً تعبث بتفاصيل حياتي ، و نشوةً لا تكتمل صُورتها إلا بإطاري الملتف حول أناكِ ..

أحبكِ حُباً يصنَع العُمر و الذكريات ، و أيَّ عُمرٍ يكفي لأن يُشبع طفلي الشقي منكِ ؟
 و أيَّ دفترٍ يكفي لأن يدَّون ذكريات حُبنا به ؟ حديثنا ، شبقنا ، و حتى همساتنا الهاربة من غُصن ليلٍ طويل سكناه سوياً .

نشبه الموسيقى كثيراً . نتراقص لنصنع أغنية ، نتهامس لنعزف سيمفونية ، و نتعاهد على غناء لحنٍ خَالد بمسرحٍ جمع كفَّينا سوياً ، و صبَّ بوريدنا كل هذا الحب ، الوجد ، و الهيام حتى غرقنا ، حتى امتلأت فصول الفؤاد بمطرك ، حتى اخضَّرت كل الأراضي بنبعك ، و حتى تشبّعت جُدران آمالي بعطرك ..

شُكراً لحبكِ الذي صنع بهجة الصباح ، وشُكراً لسماءٍ قَبِلت بقمري ليدور حول أرضك ، و شُكراً لأنكِ نفيتي وزني بجاذبيتكِ لأطير حُراً بحُبك ، و شُكراً لابتسامتك التي رسمت ابتسامة المساء ..

و شكُراً للحب الذي وجَّهني لأرضك ..
و شُكراً لأنكِ أحببتني ..

Share and Enjoy:
  • Facebook
  • Google Bookmarks
  • Blogplay
  • MyShare
  • MySpace
  • Twitter
  • Yahoo! Buzz
  • PDF
  • RSS

كتب بواسطة ماجدالرابط الثابتالتعليقات (14)اكتب تعليق »

أشعر بالبرد .

majeeeed

 

 أشعر بالبرد ، و أيَّ بردٍ أخذني إليكِ بهذه الليلة لتكتمل ملامحي التي تفتقدكِ ؟

أبحثُ عن معطفكِ لأختبئ بدفءٍ يختزل سنيني ، و لأبثَّ بأوردتي دماءً جديدة تجّدد عشقي لرحابكِ ، أفّتش عنكِ بكل زاوية عَبرت بها رُوحكِ ، و أتأمل خطواتكِ لعّلي أجد مفتاحاً يقودني إلى النُور الذي يُرفرف بين جناحيكِ ..

أتري بحار الدنيا و أنهارها ؟ و أزهار الغابات و أشجارها ؟ و مياه الحقول و وصفاءها ؟ إني أجدها بين عينيكِ وطناً يدهشُ فتنتي ، و قِبلةً تأخذ بإحساسي و آهاتي إلى حيثُ ينبض فُؤادكِ ، لأسكن بمنبعكِ مواطناً يطمع بثروة وطنكِ ، و جائعاً يشتهي ثماركِ المنسدلة بجِنان مملكتكِ التي أسعى لتوحيدها ذات يوم ..

سأنتشل الدفء من كلماتي ، و أكتبكِ اليوم كأمنية لا أبغي سِواها . أريدكِ همساً لا يُفارق سمعي ، و بصراً لا يطّوق إلا رياضي ، و كلمةً لا تملئ إلا فراغاتي ، و صيفاً لا يلتحف إلا شتائي ، و ربيعاً لا يُزهر إلا خريفي ..

ستُصبح دُنياي خلف ضوءك ، و سأمكث بسنى شفتيكِ قُبلةً حُّرمت على نساء الأرض قاطبةً ، سأكون قلادتكِ التي تُزّين أنوثتكِ ، و سواركِ الملتف حول خاصرة أيامكِ ، و حياتكِ التي تحيا من أجلكِ و لأجلكِ ..

تهاتني على أرضي حبيبتي ،
و عانقي دفئها الذي أحَّب سماؤكِ .
وحّلقي بأفقي الكبير حمامةً و ارزقيني هديلاً يكسي شجون سُؤالي ..

Share and Enjoy:
  • Facebook
  • Google Bookmarks
  • Blogplay
  • MyShare
  • MySpace
  • Twitter
  • Yahoo! Buzz
  • PDF
  • RSS

كتب بواسطة ماجدالرابط الثابتالتعليقات (6)اكتب تعليق »

شارع برايندلي ( 6 )

لقراءة رواية شارع برايندلي بكامل أجزاءها الرجاء الضغط هنا

 

 

 

شهر ابريل عام 91 م

حملت حقيبتي على ظهري ، و أخذت بشق طريقي إلى المنزل على درّاجتي بعد ساعاتٍ جامعية رتيبة لهذا اليوم . منذ مدّة طويلة لم اشتهي قدوم إجازة نهاية الأسبوع لأنعم بالراحة ، و لأمارس بعض الشغب مع أصدقائي و صديقاتي بمُدن الألعاب الترفيهية التي لا تنتهي في لندن . دلفتُ إلى المنزل و قُمت بتعليق حقيبتي لأتلقّى ترحيباً كبيراً بقدر حبي لوالدتي مونيكا .

- كيف كان يومك بالجامعة يا بُني ؟

حضنتها بقوّة و أنا أرّدد كلمات الاشتياق لها ..

- كان جميلاً يا أمي ، كجمالي حين أكون بين أحضانك ..

أمي ، كم أحب أن أرى صُورتي في عينيها ، إنها مرآة حُبٍ طبيعية تنشأ من تكّون دموعها حين تشتاق إلي ، كيف لا و هي التي اعتنت بصُراخي المزعج حين كنتُ طفلاً و غدوت اليوم ناضجاً مُتحدثاً بفضلها و كرمها عّلي . هي تُؤدي دور الأب و الأم بآنٍ واحد ، أبي الذي غادر مع قوّات التحالف لتحرير الكويت ، و انقطعت أخباره تماماً و لا نعلم ماذا حصل له ، هل هو ميت الآن ؟ أم أنه يتعّرض لتعذيبٍ يُنهك جسده من قِبل العراقيين ؟ كم أشعر بثِقل فقده على قلب أمي و قلبي ، إني أشعر بمسؤولية المنزل الآن ، و أستشعر ألآم انتظارها على عتبات الليل الطويل . أُدرك جيداً أن الليل وحده لا يأتي بالأمنيات مهمّا علقنا آمالنا بنهاياته ، و لن تستطيع الشمس جلبها لنا و إن تأرجحت أنظارنا بنُورها في آنٍ واحد .

لقد اتفقنا أخيراً أنا و كريستينا بالجامعة على أن نذهب إلى مدينة الألعاب مساءً ، تمنيت كثيراً بأن أراها خارج الإطار الجامعي و كيف سيبدو شكلها دُون معطفها الفيزيائي الأبيض ، كيف ستكون تسريحة شعرها و ماذا سترتدي من ملابس نسائية فاتنة ؟ لقد صارحتها بعد الاتفاق بأني سأطبق قانون نيوتن الثالث بحذافيره في حال وجدت فعلاً يستحق ردّة فعلي تجاهها ، و حينها أكتفت بابتسامة خجولة ، و لم تكن جادة بما يُرضى غروري تجاه ما صارحتها به ..

( في العاشرة من مساء هذا اليوم )

- أين أنتِ يا كريستي ؟
- لنلتقي في شارع ويستبورن بعد 10 دقائق من الآن ، سأكون هنالك ..

وُجودي في لندن ، يعني وجودي في قلب أكبر صخب عالمي بشري ، أشعر بصعوبة القيادة وسط هذا الزحام في ويستبورن ، لندن تعج بضجيج كل قارة من قارات العالم ، فما أكثر الآسيويين و الأفريقيين بها ، إنهم يتلقون معاملة جيدة تكفي لأن يجعلوا من لندن مُستقراً لهم ، و وطناً يرزقهم بحياةٍ كريمة بعيداً عن الفساد الآسيوي و الفقر الأفريقي ، فآسيا الثريّة بالغالب تُعاني من تضخّم معدة كل مسؤول يقبع تحت سقف الحاكم ليتناول فضلاته التي توّفر له و لأحفاد أحفاده الحياة ، و يتشكّل الفقر الأفريقي من تجاهل الراعي لرعيته بحثاً عن رضا أوروبي أمريكي يوّفر الحماية اللازمة لاستمرار أنظمتهم على ذات السياق لأطول وقت ممكن تحت غطاءٍ يراه المواطن جميلاً و يراه الآخرون مجّرد قذارة ..

و أخيراً ، أنا بالشارع الذي سأقِل به كريستي لنذهب إلى ما خطّطنا له ، توقفت بجوار مطعم ايطالي يقّدم اسباغيتي ساخنة ، و متجر لبيع المجوهرات الثمينة . في أثناء انتظاري راودتني فكرة شراء سوار ذهبي يتزّين بيدي كريستينا ، سأبدو لطيفاً إن فاجأتها بهدية غير متوقعة لهذا اليوم ..

ركضت تجاه المتجر لأشتريه قبل قدومها .. و في لحظة دخولي له ، كنتُ بالكاد أقوم بتجميع كلماتي من التعب ..

- مرحباً ، أبحث عن سوار ذهبي يليق بفتاة جميلة و بسعر معقول يا صديقي ..

انتظرت لدقيقة حتى عاد ، و عرض عليّ مجموعة كبيرة و قُمت بالإشارة على سوارٍ منها ..

- تبلغ قيمته 75 باوند ..
- جميل ، خذ المبلغ و أعطني إياه ..
- ألا تُريد تغليفه ؟

التقطت السوار و ركضت ، و قُلت له بأثناء ركضي ..

- شُكراً لا أريد ذلك فأنا على عجلة من أمري ..

عُدت إلى الشارع لأتفاجئ بوجودها قُرب مركبتي ، و في هذه اللحظة قُمت بإخفاء السوار بخفّة في جيب بنطالي ليُصبح موارياً عنها ..

- أنا هنا يا كريستي ، عذراً كنت أبحث عنكِ بالجانب الآخر من الشارع ..
- لا بأس يا صديقي ، هيا لنذهب سوياً في مركبتي ..
- و ماذا عن مركبتي ؟
- دعها هنا ، نريد أن نستمتع سوياً و نبقى بجوار بعضنا لأطول وقت ممكن بدلاً من لحاقك بنا بسيارتك ..
- حسناً ، انتظريني حتى أقوم بإطفاء مُحركها ..

يبدو أنها سعيدة لحُسن حظي ، سأحاول أن أصطاد ودّها وسط هذا الاكتظاظ البشري ..

قُمت بإطفاء محّرك المركبة، و ذهبت إلى الباب المجاور لها لأقوم بفتحه ، و حين فتحته وجدتُ رجلاً بجوارها ! ماذا يحدث بالضبط ؟ فأنا لم أره بسبب العازل الأسود على الزجاج … !

- تعال إلى هذا المقعد خلفي يا جاكي ..

دلفت و كُلي دهشة ، من هذا الرجل الذي يجلس بجوارها ؟ و من هذه الفتاة الجميلة التي تجلس بجواري ؟

- مرحباً بكم ..
- أهلاً و سهلاً بك يا جاك ، سُررت برؤيتك ..

ألقيتُ التحيّة بحرارة ، و داخلي ما زال مجّمداً يبحث عن حرارة جواب ليستفيق من حاله ، و بدأت حينها كريستي بالحديث وسط موسيقى البوب و صيحات جاكسون …

- لأعّرفك على الموجودين جاكي . ستيف ، جاري القديم قبل أن ينتقل إلى مانشستر لإكمال دراساته العُليا ، و آشلي التي أتت برفقته ، صديقة ستيف و جارته الحالية في مانشستر ، ألا ترى ماذا تصنع الصُدفة ؟

دخل الجميع بأجواء ضاحكة رغم إحباطي الشديد مما أنا به ، لماذا لم تأتي كريستي لوحدها معي ؟ تباً لغبائها ..

لم أكن سعيداً بالمعنى التام  ، ماذا تقصد بالضبط من إتيانها بشخصين لم أرهما من قبل ؟ هل تلعب الصدفة دورها بالموضوع أم أنها تتعّمد ذلك لكي تتجنب الاحتكاك المباشر بي ؟ مزاجيتها المتقلبة تُؤيد و تُرّجح كفة تعّمدها لهذا الأمر و لا أعلم لماذا تحديداً ! هل لأني لا أستحق ودها ؟ أم أنها لا تتودد للرجال إجمالاً كما أراها بالحرم الجامعي ؟ إنها أنثى تتّخذ من الانطواء وسيلة لتُمارس طُقوسها الخاصة ، فهي تُدخن بشراهة و تشرب بإسراف في النوادي الليلة المترامية على أطراف لندن ، ولا تكترث بما يدور حولها ، هي تسعى لإسعاد نفسها في المقام الأول ثم يأتوا الناس بعد ذلك من ضمن حساباتها .

وصلنا إلى الملاهي ..
و تفّرقنا جميعاً عن بعضنا البعض لمدة ساعة تقريباً ..

و بينما كنتُ أشاهد الفتيّة و هم يلعبون ، شعرت بلمسة إصبع نحيل ينقر كتفي كطائر صغير ..
- لماذا أنت وحدك يا جاك ؟
- لا شيء يا آشلي . أنا سعيد حقاً ، تأملي الأطفال و هم يلهون ، منظرهم رائع ..
- …..
- أين كريستينا و ستيف ؟
- بالجوار ، يلعبون ألعاباً خطرة و تستهلك الكثير من الوقت . هل تشاركني العشاء ؟
- سأكون سعيداً بذلك ..

بحثنا أنا و آشلي عن مطعم لنسد رمق جوعنا ، و بينما نسير في أرجاء هذه الملاهي ، كنّا نقوم بالتعليق على صُراخ الأطفال و الضجيج المصاحب لهم أثناء اللعب حتى وجدنا مطعماً جيداً يقّدم الوجبات السريعة ..

جلسنا على طاولة مستديرة ، و استمرينا بالضحك سوياً و تبادل أحاديث الماضي و علاقتنا بالمُدن الترفيهية قبل قُدوم العشاء . أخبرتها بأن طفولتي لم تكن مُشبعة للشقي الذي يسكن بداخلي ، فقد كنّا نعاني من تفّكك أسري و مشاكل كثيرة لا تنتهي ، كان أبي كثير الخروج من المنزل ولا يعود إلا بساعاتٍ متأخرة من بداية اليوم ، و أمي التي تُعاني من أمراض بالقلب و الدماغ مما يسّبب لها أزمات صحية تؤلمني كثيراً ..

كانت تتأمل كلامي بحسرة ، و قالت ..

- والدي متوفي ، و نحن نعيش على الأرباح التي تنتجها لنا شركتنا التي تركها لنا قبل مماته ، هل سمعت من قبل عن شركة تايلر ؟
- لم أسمع بها من قبل ..
- هي شركة مُنتجات غذائية على مستوى بريطانيا ، و لكننا أصبحنا نهاب الإفلاس فتسقط الشركة ، لا يوجد هنالك أي مصدر نعيش به سواها . حتى والدتي تركت أكاديمية التدريس لتسعى وراء ثروتنا بكل ما تملك من جُهد ..

بدأ صوتها بالانحراف عن مساره الطبيعي .. و أضافت ..

- أخاف كثيراً من المستقبل يا جاك ..

أمسكت يدها بقوّة .. و قُلت لها بصوت ذو ملامح بريئة ..

- جميعنا نخاف منه يا آشلي ، يجب أن نفعل ما بوسعنا فقط و لنترك الساعات القادمة و شأنها .

بعد دقائق من الصمت ، وصل الطعام و طلب النادل أجره ، ست قطع دجاج ، كل قطعة بقيمة ثلاث باوندات ، طلبت من آشلي أن تحسب المبلغ الإجمالي و لكنها أكتفت بالضحك الخجول ، ابتسمتُ و أخرجت له المبلغ المطلوب و قلت لها وسط ضحكات متبادلة فيما بيننا ..

- ما علاقتك بالرياضيات ؟

غطّت عيناها بيديها و قالت ..

- صفر ..

سحبت يديها من عينيها ، و قُمت بتعليمها جدول الضرب عن طريق أصابعها ..

- على الطاولة الآن ست قطع دجاج ، و مبلغ كل قطعة ثلاث باوندات . هذه ثلاث أصابع تمّثل ثمن قطعة ، و هذه ثلاث أصابع أخرى تمّثل ثمن قطعتين ، و هذه ثلاث أصابع أيضاً تمثل قيمة القطعة الثالثة ..

بدأت بالضحك لأنه لم يتبقّى سوى إصبع واحد بيدها ، و حينها اضطررت لضم يدي ليديها لنمثل ثمن القطع المتبقيّة ..

- و هذا ثمن القطعة الرابعة بالاشتراك بين إصبعين مني و إصبعا منكِ ، و هذا ثمن الخامسة و هذا ثمن السادسة . الآن قومي بعّد كلّ الأصابع المضمومة على بعضها ؟

نظرت إلى وضع أيدينا بخجل و قالت ..

- 18 باوند ..
- رائع ، يجب أن اختبركِ لأتأكد من وصول المعلومة جيداً ..
- لقد برد الدجاج جاكي .. !
- سؤال فقط و بعدها نبدأ الأكل .. ماذا لو لدينا أربع قطع ، ثمن القطعة باوندين ؟

فرَدت يديها على الطاولة و بدأت بالحساب ، و قالت بعد بُرهة من التفكير ..

- 8 ياوندات أليس كذلك ؟
- و ماذا عن هذين الإصبعين اللذين لم تضميها مع البقيّة ؟
- لا شأن لهما ، كالإصبعين اللذين تفاديتهما قبل قليل ..
- رائع رائع ..

تناولنا الطعام على أنغام موسيقى هادئة بداخل المطعم . آشلي متجاوبة تماماً مع حديثي و تتزحلق معي من منحدر لآخر بطريقة سلسة جداً ، و نُعاود التسلق إلى قمّة حديثٍ آخر دون كلل ولا ملل . رنّ هاتفها المحمول …

- سنأتي حالاً ..

قُلت لها ..

- من المتصل ؟
- ستيف و كريستي ، يريدوننا أن نأتي لنذهب ..
- قبل أن نذهب ، أريد أن أهديكِ شيئاً ..
- … ؟

أخرجت السوار من جيب بنطالي ، و وضعته على يدي آشلي وسط ترقبها للموقف ..

- لا أستحق هذا يا جاك ..
- هو لكِ ، اقبليه فقط ، و هذا رقم هاتفي ، قد نلتقي يوماً يا آشلي ..
- سأحفظه بالتأكيد ، و سأتصل يوماً ما بك ..

نهضنا و ذهبنا إلى المركبة بعد سهرة ممتعة غير متوقعة ، و أعادتني كريستي إلى ويستبورن حيث كانت سيارتي ، و قمت بتوديع الجميع رغم أن وداعي كان متركزاً على آشلي ، تلك التي أضافت لسهرتي نكهة لم أتوقع حدوثها أبداً ..

Share and Enjoy:
  • Facebook
  • Google Bookmarks
  • Blogplay
  • MyShare
  • MySpace
  • Twitter
  • Yahoo! Buzz
  • PDF
  • RSS

كتب بواسطة ماجدالرابط الثابتالتعليقات (4)اكتب تعليق »

غمرة انتظاري ..

ماجد بن محمد

 

في غمرة انتظاري ..
و على أنفاس عقربٍ يتلوّى شوقاً حول محور ساعتي ..
أترقب قدومكِ الشهي ..
و عطركِ الذي يرتقي بأنفاسي إلى الجنّة ..
حيثُ الحب ، حيثُ النقاء ، حيثُ النور المبين ..
حيثُ أنتِ ، و عرشكِ الذي تستوي عليه كملكة على قلبي ..

كم أحب تأمل الساعة في بُعدك ..
و أرى تخبطها و هي تنتظر ، و تنتظر ، و تنتظر ..
لحين يُشرق النُور ، و يبتسم هذا الكون من شفاه سماءك ..
و تتوقف ، لتملئ أكوابها من سكّر أنفاسك ..
و ربيع حُضورك الذي يُزهر حقولي .. و نسمات فضولي ..

أحبكِ ..
فلا تُكثري الغيابَ ..

Share and Enjoy:
  • Facebook
  • Google Bookmarks
  • Blogplay
  • MyShare
  • MySpace
  • Twitter
  • Yahoo! Buzz
  • PDF
  • RSS

كتب بواسطة ماجدالرابط الثابتالتعليقات (6)اكتب تعليق »

شارع برايندلي ( 5 )

ما أكبر هذه الحياة ، و ما أغرب قُرعة الله بها ، لا يوجد هنالك من يدري أين سيُولد ، وكيف قُدِّر له أن يعيش ، أفقيرٌ سيكون أم غني ؟ بأي دولةٍ سيهبط من السماء ؟ بأيّ نُطفةٍ ستختبئ روحه لتكبر ؟ و من ستُشرف على رعاية ابتسامتهِ الأولى ؟ أمٌ ودود أم عاهرةٌ جحود ؟ نحن نتاج إتصال روحين ، و لا تأخذ نُطفنا إلا ما تشتهي من صفات أباءنا و أمهاتنا ، و تتجسّد بنا حين نكبر .

لماذا قدِّر لآشلي أن تنام بحضن رجلٍ غيري ؟ هل يعلم الله بأنها لا تُناسبني ؟ أم أن حظي المريض لا يود أن يُشفى ؟ لم يعد هنالك ما أستند عليه ، رحيلها أفقدني توازني و أنهك جسدي المتعب ، إني أقف على شفير الموت ، بين خطّين حادين ، أرقب الدنيا التي تحتضن دفئك ، و أتأمل ما وراء الموت لعّلي أجد آشلي جديدة هنالك .

لم يعد سِربال الإنتظار مُجدياً يا آشلي ، لقد تمّزق بما يكفي بغيابك و لم يعد ساتراً لجروحي ، تأملت عطفكِ على فقري ، و لم أجد ما أُسندت آمالي عليه . لم أتمكن من تعليقكِ على مشجب أحلامي ، ولا حتّى على جِدار أمنياتي ، أنتِ كنسمة قدرٍ مرّت بجواري و أستقرت في مكانٍ بعيدٍ يصعب تحديده .

عُدت إلى منزلي منذ عشرون يوماً ، و مازلت أردم كلّ ما يتعلق بكِ ، صُوركِ التي تختبئ بين أدراجي ، سواركِ الذهبي الذي نسيتهِ يوماً و لم تعودي لأخذه ، دُبكِ ذو الفرو الناعم و الذي كان يُشاطرني النوم في أحضانك ، أشعلت سيجارتي الرخيصة و بدأتُ بتدخينها ، أمسك صورتكِ و أتأمل في نفسي ; هل ما زلتِ تبتسمي بهذا الشكل ؟ تنفستُ السيجارة بعُمق و وضعتُ مقدمتها بقسوة على أرنبة أنفكِ ، أخذت بالضغط عليها بقوة دائرية حتى اختبئ وجهكِ بين الرماد ، و رميت بقاياكِ وسط تلك المدفأة التي تجاورني .

في نادي Harvest الرياضي ، ذلك الذي أوقعني في شباك أنثى للمرة الأولى في حياتي ، كنتِ مِمن يُحافظ على لياقتهِ كثيراً . أذكر حينها أننا كنّا نؤدي تمارين اللياقة سوياً في نهاية الأسبوع مع المدّرب ديفيد ، و كنت أنتظر الفترة الصباحية بشوق لنؤديها معاً ، كان هنالك تمرين فاسق يَدّعي ديفيد بأنه يساعد على شد عضلات الظهر ، نضع أطراف أيدينا على نهايات أطراف أرجلنا لمدة دقيقتين ، هذه المجموعة من التمارين يجب أن تُؤدى بين شخصين متجاورين ، و كُنتُ جاركِ الذي ينتظر ذلك التمرين . أعترف حينها بأني شخص منحرف مع ساعات الصباح الأولى ، إذ تقومي بشد ظهركِ و تقومي بذات الحين بشد رغبتي لسرقة نظرة تأملية على ثدييكِ المتدلين كتفاحٍ هارب على غصن متهالك ، لا أشك أبداً بأن عطركِ المتسّلل إلى أنفي كان جرّاء التحامهما سوياً أثناء التمرين . لم يصدف أن اقتربت امرأة فاتنة مني إلى هذا الحد ، و لا أظن أنها تقصد اثارتي بقدر ما أنها تؤدي المطلوب منها فقط .

ومع انقضاء تلك التمارين ، ذهبنا للراحة ، و أصبحنا نمّرر لبعضنا الأحاديث بين فنجانيّ قهوتنا ، نتبادل الإبتسامات و الأمنيات الخاصة لفبراير . وجدنا أن أمنياتنا قريبة من بعضها البعض ، كالقفز المظلي وسط لندن ، و كالسُكنى في جزيرة نائية محفوفة بالشلالات ، و من هنا نشأت بذرة الإعجاب فيما بيننا ، و بدأت بالنمو مع المواعيد التي عزّزنا بها علاقتنا حتى أصبحت شجرة يانعة ، تُنتج الثمر .

استيقظت من نزوة ذكرياتي على رنين جرس منزلي الذي ملء رماد الماضي بألوان واقعي المرير ، يبدو أن كريستينا سبقت موعدنا بدقائق من مساء هذا اليوم . فتحتُ الباب لتدلف بعد تبادلنا لتحايا المساء . لقد أتخذت من ذلك الكرسي مقعداً لتلتقط أنفاسها المبعثرة جّراء صعودها للدَرج ، قُلت لها بنبرة ساخرة ..

- لقد كبرتِ يا جدتي ، و بالكاد تلتقطي أنفاسكِ .

ضحكت بصوتٍ هادئ و أردفت قائلة ..

- و لقد بدأت بالتخريف و النسيان قبلي أيها المنتكس .

أمسكتُ يدها بصمت و صعدنا إلى الدور العلوي ، لا أريد أن أرى أيَّ أنثى في هذا المجلس اللعين ! هذا المجلس شَهد بكافة أثاثه و أسماكه القاطنة بالحوض أول قُبلة تناولتها آشلي من شفتيّ حين كان مؤثثاً بمنزلي القديم ، هذه القُبلة راسخة في ذهني و لم يُذهبها فقداني النصفي لذاكرتي ، لقد كان الفاصل بين قُبلةٍ و أخرى هو النظر إلى السمك بجوارنا لنلتقط أنفاسنا المتوترة و نعاود بثّها بوتيرة متوازية تُشبع البرد الذي يحف شفتينا .

في الطابق الثاني ، طلبتُ من كريستينا بأن تأتي معي إلى المطبخ لنُجّهز شراباً دافئاً في هذا البرد ، و اقترحت عليّ بأن نصنع قهوة فرنسية لتمنحنا نشوة دفء ، و مزاج سلس بإمكانه ان ينتقل من حديثٍ لآخر دون أن يتوقف بإستراحة مُحارب ، و بينما أقوم بملء الماء لتسخينه ، قلت لها ..

- لماذا يخذلنا الحدس دائماً و نتصّور الخطأ في بداية كل الأمور ؟ لم أكن أتصور وقفتكِ بجواري طِوال هذه المدة يا كريستي !

أخرجت علكة من حقيبتها و بدأت بغرز أسنانها بها و كأنها تود أن تنقل الحديث لمجرى آخر ..

- لا يبقى بالجوار إلا الأثمن ، و كلَّ ما رحل مجّرد سحابة عابرة غير مأسوفٍ عليها ..

شربنا القهوة ، و تبادلنا الأحاديث حتى ساعات الصباح الأولى ، و حان وقت فيلم السهرة ..

- سنُشاهد فيلم A walk to remember ، يبدو جميلاً من غلافه ..
- لماذا لا نُشاهد فيلماً مُرعباً ؟
- لا أحبذ الأفلام المُرعبة في هذا الوقت ..

بدأت بالضَحك و أكَتفت بوصفي بالجبان ، أخرجت الـ DVD من داره و وضعته بمشّغل الأفلام ليبدأ العرض . الفشار جاهز و عصير الليمون بارد بما يكفي لأن يُكمل ساعتين دُون أن يُصبح حاراً .

( بعد ساعة من المُشاهدة )

و في أثناء مُشاهدتنا للفيلم ، تخّللت بين لقطاته قُبلات بين ابنة القسيس الجميلة المُحافظة و بين صديقها في المدرسة ، كم كان مُدهشاً هذا اللقاء الذي يصنع الحب دُون أدنى ميعاد ، وكم هو لذيذٌ أن تجتمع جاذبية الفقر بالغنى من خلال قوانين الحب الذي لم تكتشفها معادلات نيوتن ! وبينما اتأمل بأحداثه ، استدرت عن شمالي لأرى تذبذب عينيّ كريستينا بين موجتي النوم و الإستيقاظ ، تُحاول تارةً بأن تبقى مستيقظة حين تفرك عينيها بإصبعها ، و تحاول تارةً أخرى بأن تنام حين تسنُد رقبتها على الوسّادة خلفها ..

- كعادتك ، لا تشهدي أحداث الفيلم بالكامل و تُفّضلي أن تنسحبي في منتصفها ..

ألتفتت رقبتها صوبي و ابتسمت ابتسامة نائمة و أسندت رأسها على كتفي الأيسر ، هذا الشُعور يمزجني بين حاضرٍ لم أرسمه من قَبل و ماضٍ اندثر مع طمس ملامح آشلي الأخيرة ، رقبة كريستي وضعتني في موقفٍ لا يُحسد عليه ، هل أتابع أحداث الفيلم أم أتفّرغ لألملم قطع الماضي المتناثرة أم أكتفي بشم رائحة شعرها ؟

أذكر آشلي جيداً عندما كُنت اشاهد الأفلام برفقتها حين يكون زوجها على سفر ، كانت تُثرثر كثيراً حين تجد حدثاً لا يروق لها ، و كانت تبكي بوفاة بطل أو حبيبته ، أذكر قبلاتها الحارة مع نهاية الفيلم و كأنها تُحاكي أحداثه الأخيرة إن كان بنهاية سعيدة ، في المُقابل ، كانت تُحجم دمعتها عن الظهور في حال انفصال حبيب عن حبيبته بأيّ صُورةٍ كانت و تكتفي بالنوم على صدري ، لا أتذكر يوماً بأنها غفت على كتفي أثناء مُشاهدة فيلم ، أو حتّى أثناء سفرنا إلى هولندا بالقطار الممل كما تفعل كريستينا الآن !

هل تذكري يا آشلي قفزة روز من القارب لكي تعود إلى أحضان جاك في تايتنك ؟ هل تذكري حين أشتعل قلبكِ بالغيرة من فعلتها و قُلتِ بالحرف الواحد : لو كُنتَ مكانه لقفزت إلى قلبك مباشرةً ؟ أين أنتِ عن قلبي الآن ؟ هل كُنتِ تُحاكي أحداث الفيلم أيضاً و قُمتِ بإدراج ثرثرة في صفحتي الممتلئة بكِ ؟ أين قفزتكِ لتبحثي عن مقر سكني الجديد ؟ وماذا حدث بمنزلي القديم ؟ هل تعلمي بأني على قيد الحياة ؟ أنتِ لا تعلمي شيئاً أبداً .

و مع نهاية الفيلم ، أخذتُ بخفض معّدل صوت التلفاز ، و في أثناء ذلك تحّركت كريستينا و كأنها انتبهت لنهايته ، ابتسمت و أخذت برفع رأسها عن كتفي المخّدر إزاء نومها ، و قامت بتطويق يديها على عنقي ، و في أثناء نهوضها انتبهت لطعنتي المؤلمة و قامت بتقبيل كتفي ،

- ليتك تعلم حجم الدفء الذي منحه هذا الكتف لي ..

أندهشت من رقّة قوسي عينيها في سمائي ، اقتربت شيئاً فشيئاً حتى زرعت قُبلة طويلة نائمة بشفتي العُليا ، لأظل مستسلماً لكل ما تفعله تماماً ..

Share and Enjoy:
  • Facebook
  • Google Bookmarks
  • Blogplay
  • MyShare
  • MySpace
  • Twitter
  • Yahoo! Buzz
  • PDF
  • RSS

كتب بواسطة ماجدالرابط الثابتالتعليقات (3)اكتب تعليق »

فرحٌ وافته المنيّه .

ماجد بن محمد

………………………………………….
و يومٌ كئيب يُضاف إلى سجِّلات حُزني ، أسود الملامح ، رمادي اللون ، لا يبدو على جبينه أيَّ أثرٍ للحياة . لم يأتي هذا الحزن بسهولة لكي يثقبني بهذه الوحشية ، فوراء كل ألم عظيم سبب أعظم يؤدي إلى كل الملحقات التالية للأحزان من بُكاء ، و تأمل أقصر للحياة ، و ظلام يُخفي ملامح الألوان . لم أتوقع بأن هنالك ظل عملاق يقف وراء كل ” رغبة حقيقية ” في قلوبنا. في الواقع ، نحن من يصنع ذلك الظل الكبير بآمالنا و تطلعاتنا الجادة نحو زاويةٍ مُحددة ، إن لم نتمكن من تسلقها حتى النهاية ، سنسقط شرَّ سقطة ، بقدر الأماني التي كنّا نصبو إليها ، بقدر الرغبة التي تخّيلنا أنفسنا في غمارها بأحلام يقظتنا ، بقدر أكبر حجم تمّكن عقلنا من إدراكه في هذا الكون الفسيح .

هذا الظل لا يتّخذ سوى نمطاً يُعاكس كل رغباتي ، و يأسرني خلف قضبانٍ حارقة لا تكترث لإنسانيتي ، لقد انقلب ربيعي إلى خريفٍ يسلب ملامحي ببطء شديد ، و حلَّ الليل ليُرخي سدوله على الخطوة الأخيرة من رغبتي التي تأملتها طويلاً و عملت جاهداً لأن أعيش بين ثنايا نورها .

دُموعي مُسرعة ، و كُلي يتسارع إلى ردم النهر الذي قد يُغرقني يأساً ، هذه الدنيا دنيّة بكل ما تحمله الكلمة من إحساس ، وُجودنا بمكانٍ داني يعني أن نتقّبل كلّ ما يأتي من الأعلى ، أياً كان ذلك الشيء ، فقوى الأشياء الطبيعية أقوى بمراحل من قوى الإنسان الهزيلة ، هذا الإنسان ينقاد سريعاً لأي مُتغير طبيعي ، شاء من شاء ، و أبى من أبى ، كأنا . يُحزنني هذا الإنسان الساكن بروحي و بروح كل أبناء جنسي ، إنه يُظهر رُدود الفعل فقط في حال تغّلب الطبيعة عليه ، و من ثمّ يتقبل هذا الواقع بكل حذافيره ليصنع بيئة جديدة و يتأقلم بها بأسرع وقت ممكن و إن لم تكن تُعجبه ، كالحيوانات تماماً ، بإمكاني أن أنقل نمر استرالي و أعبر به القارات إلى الرياض ، ليعيش رُغماً عنه في قفصٍ حين انتصرت عليه قوى الإنسان الهزيل الذي اعتمد على بندقية تخدير ليمسك بهذا النمر ! سينقاد هذا النمر لبيئته الجديدة و سيعتاد على رؤية الأطفال و الزوّار في حديقة الحيوان ، وربما سيتنازل عن كونه مفترس ليرضى أن يكون عُشبياً مثلاً !

أحلامي لم تتّخذ أيّ نقطة بداية ، فهي كأيَّ حلمٍ في هذا الكون ، تشرع من نُقطة مجهولة في هذه السماء ، و تنطلق كعصافير مهاجرة تبحث عن قوتها و دفئها . و حين تعجز عن إيجاد مُبتغاها ، تموت في منفى خارج وطنها ، و ستتعفن ، و لن يتم تجهيز مراسم دفن لجسدها الذي تمّنينا مصافحته ، و ستُصبح طعاماً دسماً لبكتيريا النسيان .

لم يعد هنالك فرح قادر على خلق لعبة ليلهو بها حزني و ينام طويلاً طويلاً عني . هذا الطريق يزداد ظلاماً كُلما تقدمت به ، السماء تزداد سواداً بتحليق غربانها ، و الأرض لا تُثمر بتربتي إلا الرماد ، أعترف بأنه لم يعد هنالك مُتّسع لأن أمشي خطوة آمنة بعد الآن ، و أعترف بأني لن أكترث لأي إحساس بإمكانه أن يصنع ثقة مُتبادلة بيني و بين النور ، لن أخونكَ يا ظلام وحدتي ، و لن أخّطط للهرب من سجنك مرةً أخرى .

Share and Enjoy:
  • Facebook
  • Google Bookmarks
  • Blogplay
  • MyShare
  • MySpace
  • Twitter
  • Yahoo! Buzz
  • PDF
  • RSS

كتب بواسطة ماجدالرابط الثابتالتعليقات (7)اكتب تعليق »

شارع برايندلي ( 4 )

فتحت عينيّ ببطء ، و سحبت ذلك الغطاء الأخضر منها . هذا المكان نظيف ، رائحته عطِره و مرّتب بشكلٍ أنيق ، ما هذه البقعة الطاهرة ؟ و من أحضرني إلى هنا ؟ طُرِقَ الباب بهدوء ، بعد بُرهة ، دخلت أنثى جميلة تكتسي البياض ، ذات شعرٍ طويلٍ أشقر و ملامح اسكتلندية ..

- كيف حالك الآن سيدي جاك ؟ هل أنتَ على ما يرام ؟
- أنا بخير ، من أنتِ ؟

أخذَت بالنظر إلى ذلك المحلول ، و بطريقةٍ ما ، أدخلته بتلك الإبرة و طلبت مني الاستلقاء بهدوء على معدتي .. و قالت لي ..

- أنتَ مُصاب بعدة طعنات في جانبكَ الأيسر ، و هنالك كُسر بسيط في يدك اليُمنى ، احذر أثناء قيامك بهذا فقد نزفت كثيراً كثيراً .

بينما تقوم بغرز تلك الإبرة وسط آهات ألمي قُلت لها ..

- مُنذ متى و أنا هنا ؟

تفادت إجابتي و رحلت برفقة أدواتها من حيث أتت ، و بقيت أتحسس موضع تلك الإبرة بأطراف أصابعي الباردة ، يبدو أن هنالك خطب ما ، أنا لا أدرك ماذا يحصل لي تحديداً بهذا المكان ! أشعر بأن جسدي مُنهك تماماً ، قدمي معّلقة بزاوية أربعينية و عيني اليُمنى منتفخة قليلاً بشكلٍ يحجب بعض زوايا الرؤيا لديّ .

هذا الألم مقّزز ، يصنع في ملامحي شُحوباً عميقة ، الإحساس بالعجز يُقحم في رأسي فكرة جادة للانتحار ، هذه الحياة وُجدت لكي نتحرك و نعمل في ميادينها ، و جلوسي في مكانٍ واحد يعني أن هنالك أفكار سوداء تحوم حول مُخيلتي باستمرار ، كالقفز من الطابق العاشر على سبيل المثال ، أو غرز إبرة مجّوفة في وريدي ، و ربما تناول جُرعة زائدة من هذه الأدوية المُنتشرة على تلك الطاولة ، نُور الشمس يختبئ خلف هذه الستارة ليُعلن عليّ الظلام ، هذه النافذة لا تُقحم سوى غروبها الكئيب و كأنها تُشير إلى نهايتي على طريقتها الخاصة .

هذا الغروب يسرق كل لحظة وضوح ، و يُبرز رمادية ظلامٍ متوازن على الخط الأسود ، لتأتي النجوم و تُنذر ببعض الفرج ، و يستدير القمر ليزيد من إصرار النجوم على خلق جو تأملي للمستقبل ، للحياة ، و ربما لنفسي التي تتوالى عليها المصائب من كل صوب .

طُرقَ الباب و تم دفعه على مهل ، تظاهرتُ بالنوم هرباً من أسئلة تلك الممرضة الكئيبة التي تقوم بإجراءات عملها بصمتٍ مُطبق ، أغمضت عينيّ و كأني بسُباتٍ شتوي عميق وسط هذه الأجواء الباردة ، و مع ذلك الهدوء الرهيب ، كان هنالك صوت حذاء عالي ، يتحرك بانسيابية لم ألتمسها من تلك الممرضة على مدى ثلاثة أيام ، و رائحة عطر فوّاحة ترامت بكل أطراف غرفتي ، ينتابني فُضول لمعرفة من تذكرني وسط وحدتي الطويلة ، لكني سأظل مُلزماً على إتمام كذبتي ما دُمت خطوت الخطوة الأولى بها .

هنالك أنثى تبكي بجواري ، همساتها الممزوجة بالدموع غير واضحة ، لا أدري ماذا تقول ، أقترب ذلك الصوت من أذني الجريحة و بدا واضحاً هذه المرّة ..

- جاكي .. جاكي .. ؟!

و مع ارتفاع معّدل فضولي ، استدرت ببطء و نظرت إلى عينيها ، لقد كانت مفاجأة غير متوقعة أبدا ، أنا الغارق وحدي في شوارع و أحياء هذه المدينة ، تأتيني هذه المحّملة بالأوجاع من مكانٍ بعيد ، ليس سهلاً أن تخرج من لندن في هذه الفترة من السنة ، لكنها فضّلت القُدوم لترى ماذا حلّ بي .. قبّلتني بشوق و قلت لها بلهفة ..

- مضى زمنٌ طويل يا كريستينا ، ظُهورك بهذه الهيئة يُشير إلى أنكِ تخّطيتِ محنتكِ المرضية يا جميلتي ، كيفَ تمّكنتِ من الحّد منه ؟
- هذا المرض أشبه بورقة خريف باهتة يا جاكي ، يُنسيكَ ملامح الربيع البهيّة و أمطار الشتاء الباردة و حتّى قسوة الصيف في لندن ، أفجعني خبر غيبوبتكَ التي استمرت لشهرٍ كامل ، كيف حالك الآن؟

بدأتُ بإبراز عينيّ التي اكتست الرهبة و عضضت على شفتي السفلى بقسوة ..

- شهرٌ كامل ؟ أيُعقل هذا ؟

جلست بجواري و أودعت رأسي على صدرها و بدأت بالبُكاء ..

- لا تقلق أرجوك ، كان هنالك ارتجاجاً قوياً في مخك ، كُنت في وضع لا يُحسد عليه حين ضُربت من أولئك السفلة ، و أنا أقوم الآن بمُقاضاتهم منذ نصف شهر ، و ما زالت القضية معّلقة و لم نصل للجلسة الأخيرة التي تحّدد نوع عقوبتهم .
- لا أذكر شيئاً من ذلك ، لكن مُنذ متى أصبحتِ مُحامية ؟

وضعت رأسي على الوسّادة و أخرجت من حقيبتها أحمر شفاه و بدأت برسمهِ على حدود شفاهها البارزة ، كانت تحّدق للمرآة بطريقة غريبة و كأنها تراها لأول مرّة ..

- هذه الحياة تعّلمنا الكثير يا جاك ، و تأخذنا إلى حيث لا نحتسب ، أنا لم أتوقع أن أكون في يومٍ ما مُحامية تحمل بين طيّات ملفاتها قضايا المُنتكسين في هذه البلاد الكبيرة ، لقد درست القانون حتى ارتويت يا صديقي .

هذه المدة الطويلة لم تكن كافية لتُغّير من أطباع كريستينا ، لُغتها الحادة ، شعرها القصير ، تدخينها بشراهة ، المرض أجبرها على اتخاذ نمط اللامبالاة و السير على روتين مُحّدد حتى تمكنت من تجاوز محنته ، و ها هي تظهر بشكلٍ مُغاير ، أصبحت مهتمّة بأحمر الشفاه ، و أصبح لها طُرقها الخاصة في إمساك السيجار على طُرق المافيا ، وتبدو أكثر وحشية من السابق و أصبح بإمكانها أن تضرب رجلاً ! هذا المرض أكسبها قوة الرجال بالتحّمل و صبر الصيّاد في انتظاره للسمك . نظرت إليّ و قالت ..

-أين هي خليلتك؟ رسائلك الالكترونية عنها زادتني شوقاً لأراها؟ أظنها آشلي أليس كذلك جاكي؟

انتابني صمتٌ رهيب ، و توغلت بي الكثير من الأحاسيس الضارة ، لماذا تجّددي ذكراها يا كريستي في أزمتي الصحية هذه ؟ لماذا تُعيدي إشعال الشمعة التي أطفأها القدر على أيدي العصابة تلك ؟ قُلت ببلاهة ..

- من هي آشلي ؟

Share and Enjoy:
  • Facebook
  • Google Bookmarks
  • Blogplay
  • MyShare
  • MySpace
  • Twitter
  • Yahoo! Buzz
  • PDF
  • RSS

كتب بواسطة ماجدالرابط الثابتالتعليقات (0)اكتب تعليق »

شارع برايندلي ( 3 )

كل الأشياء لا تبدو على ما يُرام ، منزلي لم يعد آمناً ، حتى العمل أصبح كئيباً لا يُطاق ، رئيسي أندرسون ينتصر في كل شيء ، قراراته هي الأعلى دائماً ، و لعلّ قراره الأخير بحرف مسار زوجته التائبة أصابني في مقتل ، أنا حزين بما يكفي لأرى كل الأشياء سوداء يا آشلي ، الألوان فقدت رقّة بريقها من حولي ، زرقة السماء اختلطت بالرماد ، و حضورك أصبح كعدمه حين أختلس النظر إليكِ و أنتِ تذهبي لتشتري أغراضك ، لا أخفيكِ ، حبي لكِ ساعدني على إتمام توبتك الأخيرة من ذنبي ، لقد قطعت كافة وسائل الاتصالات فيما بيننا ، و تركتكِ حرةً أبيّة لتفعلي ما يُمليه عليكِ ضميرك ، أوقدي شموع حياتك و سيري بالدرب الأكثر وضوح لعينيكِ .

قررت أن أسكن بمكانٍ آخر ، زاوية لن يراها أحد ، بحثٌ طويل أخذني إلى منطقة ليست ببعيدة عن ريجينت ، شارع انتكاستي الأولى و دموعي المقتولة ، القدر يأخذني لذات المكان لكن بصورة أكثر احتراماً من السابق ، كنتُ أبكي في مزرعة صغيرة كمحصلة خيانة ، و أمسيتُ الآن في منزل أنيق يحترم رغباتي ، مسبح صغير يسلخ ذنوب يومي ، و ملعب تنس لأستمتع باللعب مع الأصدقاء .

تكاليف هذا المنزل باهظة ، صرف هذا الكم الهائل من الباوندات يجعلني قاب قوسين أو أدنى من الفقر ، هذا الترف يبدو مؤقتاً إن وضعت بالحُسبان إمكانية طرد أندرسون لي بأي لحظة ، نظراته تخبئ خبر معرفته بعلاقتي السابقة مع آشلي ، و كأقل إجراء ممكن ، بإمكانه أن يطردني من الشركة كانتقام بسيط لما ارتكبته بحقه ، فقد جنيت على لحظاته الحميمة و سرقت من شفتيها قبلات ليست من حقي شرعاً بالرغم من موافقتها التامة عليها ، بإمكان آشلي أن تُكمل مسيرة توبتها و تعترف لزوجها بكل شيء ، بكل شيء .

أشعر بألم فقدان والديّ ، أمي الراحلة وسط كومة حديد و أبي الذي خرج من البلاد ولم يعد حتى الآن ، منذ الوهلة الأولى لصدمتي العاطفية الجديدة ، شعرت بأني أحتاج إلى أم تستقطب حواسي المسروقة من آشلي ، و أب يُعيد الثقة لحنجرتي المبحوحة ، لابد من الحُصول على مشاعري المسلوبة بأيّ ثمن .

بدأت بولوج عالم النوادي الليلية ، أصبحت أتعاطى الفودكا بكثرة ، لستُ وضيعاً إلى هذا الحد و أنا أرتكب تلك الأشياء ، أنا أشرب لأختبئ وسط خيالي ، و أهرب من الواقع المرير الذي أتعايشه مع فقدان أعزّ ما أملك ، أبحث عن أنثى ، أو عاهرة لا يُهم ، أتمايل مع رقصاتها و أتلذذ بنعيم جسدها ، أمارس الجنس معها و أصل إلى قمّة نشوتي ، أريد أن أجعل تفكيري متمحوراً بكيفية إمتاعها قدر المُستطاع لتمّتعني أكثر و أكثر ، كم سيبدو يومي طويلاً و أنا أنتقل من لذّة لأخرى ، لا يُوجد من يشد وثاقي بعهد أو حب و أنا أمارس الجنس مع عدّة جميلات ، كل ما أعرفه هو أن النادل هنا يحّقق لي كل رغباتي الصغيرة و بمبالغ معقولة بالنسبة لمرّتبي .

تُدهشني تلك التكتلات البشرية على طاولتي ، فتيات يأتين من كل صوب ، جميلة لا تملك جسداً مثيراً ، أو قبيحة لها جسد فاتن ، أو أنثى تملك كل ذلك ، لكن للأسف ، أمثالهنّ محجوزات لكبار القوم في مانشستر ، نحن الفُقراء يجب أن نُؤمن بحظنا ، و نرضى بالموجود في هذا البار ، شُكراً للظلام ، هو الوحيد القادر برفقة كأس على أن يجعل جميع النسوة سواء ، هذا الظلام الذي يربطه المثقفون بالجهل ، و يحيكوا له أشدّ الأمثال سميّة ، هو المتمكن من لملمة شمل إنسان يائس خذلته ظروف الحياة ، بضعة باوندات بإمكانها أن تنقلكَ من الواقع إلى الخيال ، لتستطيع أن تحقق به كل أحلامك ، و تصنع من اليأسِ فرحةً طافحة ، ثمّ تنام طويلاً طويلاً دون أن تشعر بلحظة ألم تغتال واقعك الشاحب .

القانون في بريطانيا يقف معك إن ارتكبت جُرماً و أنتَ ثمل ، تحديداً حينما تُثير نزاع كبير وسط البار لتحاول أن تنال رضا إحداهن ، هنالك فتاة تُجيد الرقص ، صغيرة بالعُمر و تُناسب طموحات مزاجي الحاد ، حاولت التودد لها بعدّة طرق ، اقتربت أكثر من المسرح لأشاهد تفاصيلها عن قُرب ، ابتسم لها بلذّة منتشي ، و أهمس لها بكلمات مترنحة مثلي لا تتزن على معنى واضح ، حقيقةً ، كان تفاعلها معي مثيراً ، أمرٌ كهذا دفعني لأن أتخذ خُطوة أكثر جُرأة حين انتهت من العرض ، أمسكت معصمها و بدأت بالتحديق إلى لون عينيها ، أو ربما لون عدساتها ، لستُ أدري ، أرى في تلك العينين منبعاً لنهر التايمز ، زُرقتها تشي بجمال لم أراه سوى بعينيّ آشلي اللعينة ، التأمل ممتع في عينينٍ جميلتين كهذه ، لكن لسوء حظي العاثر ! رأيت رجلاً مُقبلاً من هنالك ، ضخم الجثة و عينيه ترسم الشر بكل ألوانه ، أقترب و نزع يدي من معصمها و بدأ ينهال عليّ بالضرب حتى فقدت الوعي ، تماماً ،

Share and Enjoy:
  • Facebook
  • Google Bookmarks
  • Blogplay
  • MyShare
  • MySpace
  • Twitter
  • Yahoo! Buzz
  • PDF
  • RSS

كتب بواسطة ماجدالرابط الثابتالتعليقات (2)اكتب تعليق »

نُورٌ ، لا يُشبهكِ كثيراً ،

majed

هذا الليل الطويل لا يُبّشر بشروق شمسٍ جديدة ،

كم سئمتُ من انتظار النُور الذي يُشبهكِ و لا يشبهني حين أتبعثر شوقاً للُقياكِ . حبيبي ، مللتُ السهر على ضفّة نهري الذي يتأمل مشرقهِ على الدوام لعّله يلتمس نُور فجركِ ليُقبلُ من بعده الدفء في دُنياي .

آه يا حبيبي على نار الأشواق ،

تلك التي أحرق بها أوراق هيامنا ، و أمّزقُها *ورقةً ورقةً لأشعلها و أضيء هذه العتمة المُخيفة من حولي حتّى أختنق بمسكَ دخانك . إني أشعر بالألم كلّما نظرت إلى المغرب ، ذلك الذي أخذ بنُوركِ على حِين غِرّة ، و أصبحت المُندهش في دُنيا بلا نُور ، و أجواء باردة لا تُقنع دفئي الذي أدمن أحضانكِ ..

لم تَعد تُقنعني الوُعود ، ولا أكترث للصِدق الذي يهتم به الناس ،

أخبريني يا حبيبة ، ماذا استفدت من وُعودكِ الباردة ؟ كُنتِ بمثابة قائد جيش ، وضع جنوده و رحل ليُقيموا بداخل مُدني ثورة لا توّرث إلا دماءً و فقداً لا ينتهي ، و مُنذ متى يبقى وعدٌ لا يُخلف و نحن سنموت عاجلاً أم آجلاً ؟ ألسنا أصحابها يا حبيبتي ؟ كيف تُريدي للوعود أن تبقى و نحن سنفنى ؟ مُتناقضة حتى بأتعس اللحظات .

لا أعلم ما سبب حُبي لتناقضاتكِ رغم وُقوعي في الخانة الأولى من بُرج الميزان ! فأنا لم أتغير حتى مع غياب شمسكِ ، لم أتغير كحرباء منافقة تتلوّن مع شمس الصباح الأولى و تتّخذ لوناً أشد حدّة مع شمس الظهيرة الساخنة ، و من ثمّ تُصبح سوداء كظُلمة الليل الذي يغشاني ..

إني أُدمن الشتاء بغياب صيفكِ . فأنا لم أتدارك من فُصول عُمري سوى شتاءٍ يقتلع زهرة شبابي ، و خَريفٍ لا يكترث لأحلامي الخضراء ، فيكتفي بزرع الصفار بساحاتها و يرحل في كلّ عام كعادته المُرهقة . أين هي نُفوذ حُبكِ لتنقذيني مِما آليت إليه ؟ هل يُعقل بأنكِ قد ركبتِ قطاراً يذهب بلا عودة ؟ هل تجمهَر صدى الحِرمان على أرجوحتنا القديمة و قام بكسرها ؟ و من قام بسلب الأكسجين من طبقات أجواءنا العُليا ؟

تعالي لنلعب : كن أو لا تكون ، على طريقة شكسبير ، كاتبكِ المفضّل ، و عدوي الذي لم أتنازل يوماً لأقرأ كتاباً له .

نحتاج إلى فاصلٍ حاد لنَعلم أين هو مأوانا الأخير ! نحتاج إلى قرارٍ أشبه بالموت لكي نفصَل عالمينا ، و ينتَقل كُلاً منّا إلى عالمه الآخر ، إلى عالم اللاورائيات الذي لن يُدركه سوى صاحبه بعد الصيحة الأخيرة .

أين هو الزمن ليضرب بيده الحديدية كما أعتاد فعل ذلك ؟ كم أغبط أصحاب القرارات السريعة و الذين لا يعترفون بالانتظار ، كم يبدو الوقت طويلاً طويلاً يا حبيبي و أنا أنتظر شيئاً يُشبهني مثلكِ ، إني أختنق بكل لحظةٍ لا تنتمي لدقائقك ، و أبكي بدائرتكِ حين لا يُجاورها مماسي ، و أحزن طويلاً بخروج نتائجكِ من مجموعتي التي لا تنتمي إلا لكِ .

يا أعدل الناس إلا في معاملتي … فيك الخصام و أنتَ الخصم و الحكم ..

Share and Enjoy:
  • Facebook
  • Google Bookmarks
  • Blogplay
  • MyShare
  • MySpace
  • Twitter
  • Yahoo! Buzz
  • PDF
  • RSS

كتب بواسطة ماجدالرابط الثابتالتعليقات (8)اكتب تعليق »

الصفحة التالية »