ليس سهلاً أن نكتب كل ما نشعر به .
الكتابة تشبه قلمَ حبرٍ قديم يحتاج للتعبئة كلما فرغَ ، إن لم نشّكل حبرهِ ككلمات في لحظات تسريبه الراهنة ، ستتجمد ملامح حبرهِ في أنبوبه ، و يُصبح أمر تعبئتهِ أمرٌ أشبه للمستحيل إن لم ننّظفه بطريقةٍ خاصة ، أو حتى نتخلص منه بطريقةٍ خاصةٍ أيضاً . و حينها ستموت الفكرة باختناق مُؤلم ، و زاوية محشورة بالكاد تحتمل ضغط تلك الجثّة التي تحمل الكثير بين أحشاءها .
ولأن القلم مرفوع عن المجانين و الأطفال ، لم يُهديني أبي قلمي الأول إلا بعدَ تأكده من سلامتي التامة من مُعوقات حملهِ .
كم تمنيت أن أكتب مُنذ طفولتي ، ولو تمّت هذه الأمنية لأصبحت قادراً على أن أعرفني أكثر ، لحظات الطفولة هي الأثمن ، و لو صاحبت تلك اللحظات بعض الحروف المتشردة لتمكنت من قراءة الكثير من ملامحي ، كأن أعرف ماذا أحب ، و كيف أحببته ، أو حتى أن أعرف ما نوع القصّة التي أسرتني حين كنت ولداً لا يُجيد التحكم في مشاعره و قدراته التي منحته إياها الطبيعة .
قلمي هو الشيء الوحيد الذي لا يستجيب لخجلي ، و لا يتفاعل مع مؤثراته التي تغزو ملامح شخصيتي . و هذا ما يجعلني أتعّرى معه دُون خوف أو حتى التفكير بما قد يقوله عني و أنا بذلك الوضع المزري ، سيتمكن من رؤية كل ما حجبته عن الناس ، و سيستلذ بتذوق إحساس الأشياء المختبئة بي ليخلصني من تكّدسها الذي أرهقني .
أكتب بشراهة و نشوة لا يستشعرها الوقت ، و أعيش اللحظات السعيدة و أنا أعبث بالحروف لأعمل كل ما أريده . باستطاعتي أن أخلق أيَّ حدثٍ و أن أضعه في أيَّ بقعةٍ من هذه الأرض .
لم يكن قلمي أداةً فحسب ،
فقد كان رفيقاً حاضراً بكل لحظةٍ عصيبة تمكنت من سَلب أنفاسي ، و كان الأكسجين الذي يقضي على كتمة الزمان و أفعاله ، فيوّسع لرئتيَّ مجالاً أكبر لألتقط أنفاسي التائهة ، لأسترجع وعيِّ المسلوب و أعود من حيث أتيت ، ليراني كل من هم حولي طبيعياً دون أن يستشعروا متاعبي التي خضتها بسبب قلم و روزمانة ورق .
أحتاج إلى أن أحب قلمي ، ليحبني ، و نحب سوياً ساحات الورق التي نجعلها موعدَ لقاءنا اليومي ، حبُ الشيء يمنحه الأمان ليتسّرب إحساسه بالكامل ، و ننال على أثرهِ كافة القُدرات التي تكتنز ذلك الحب ، فنظهر بجسد واحد ، و لكن بعدّة قِوى كامنة في ذلك الجسد و إن بدا نحيلاً .
هل حب القلم سيساعدني على حب حكاياتي ؟
لا أضع الأسئلة عادةً لأبحث عن إجابةٍ لها ، هي كالصور القديمة التي تُوضع في مجالس الأثرياء وتحمل بين إطاراتها شخصيات صنع التاريخ اسمها . قد لا يُوجد مبّرر واضح لتلك الأفعال ولكن الأمر يبدو جديراً بالاهتمام .
أن أضعَ سؤالاً أمام الملأ ، يعني أنه معّرض لأحاديث من مّروا بجوارهِ ، و للأجواء التي ستحيط بمَجلسهِ . أمرٌ كهذا كفيلٌ لأن يُكسبه خبرة التعامل مع كافة الطُقوس وأن يحتمل كافة العواصف التي ستعصف بهِ و بنقاطِ أحرفه التي شكّلتها بنفسي .
السؤال هو الوسيلة الأولى التي تأخذنا لسؤالٍ آخر أكثر تعقيداً ، و كنظرية بسيطة ، كلّما كثرت الأسئلة كلمّا قلَّ الجواب الأكثر اختصاراً ، لهذا نجد أن أجوبة الفلاسفة القدماء هي الأكثر وضوحاً ، و هي الأكثر حكمةً و تداولاً بين الناس في كل الأجيال .
حين يُطرح السؤال ، يعني أننا نواجه أول عقدة في خيط صنّارة ، كلما كان السؤال صعباً ، كلما بات فكّ وثاقهُ أقرب للمستحيل ، و حينَ يأتي السؤال الآخر فإنه سيمثّل العقدة الثانية للجواب ، و حينها يبدو أنّ وثاقه قد حُرمَّت عليه الحرية أبداً .
إفرازاتنا للأسئلة لا تمّثل إلا جانباً طبيعياً في حياتنا كبشر ،
سؤالي عن أبسط الأشياء يعني أن أبحثَ خلف حقيقتهِ التي تختبئ من وراء ستار ، ليس ضرورياً أن يكون السؤال صعباً لأنال على معلومة جديدة ، فبعض أعظم الاكتشافات البشرية لم تنشأ إلا من الأسئلة الأقرب للغباء ، و لأننا الشعب الغافل عن التفاصيل الصغيرة ، فإننا نعتبر الأسئلة البسيطة بمثابة رمز للغباء ، لأن غباءنا هو من أخذنا لتلك الفكرة الغبيّة التي نشأت في درعنا العربي ، وأصبح بإمكاننا أن نعرف ذكاء أو غباء أي شخص من خلال أول سؤال يقوم بطرحهِ أو حتّى أول فكرة يتجرأ بنثرها .
السؤال مجّرد حقيقة تختفي عن عين الناس ، إن أنصتَ لحقيقتهِ أكثر من شخص ، أصبحَ قابلاً للتداول و إن برز سطحَه فقط ، و لأننا نكتفي بالسطح دائماً ، فإن عُمقه ينتظر مُكتشف جديد لتُصبح الحقيقة مفهوماً علمياً بالإمكان معرفة أسباب وقوعها على ورقٍ يملك خاصية الترسب على أيَّ رفٍ قديم .
” الأشياء الصغيرة لا نعرف قيمتها مُبكرا ”
هذه هي ضريبة تأخرنا في كل شيء ، هذه الأشياء الصغيرة لا تعني بالضرورة لنا أمراً يستحق التفافة عنق صوبها . لأننا تفاديناها ، قامت هي بتفادينا ، فذهبت إلى مكانٍ آخر لتكبر بهدوء ، برفقة ضوء الشمس الدافئ ، و نسيم الصباح المختلف ، تقوم باتخاذ مجراها في النمو الذي قد يستهلك الكثير من الوقت ، فتجني تلك الأرض و أصحابها الخير الكثير ، و نُصبح حينها أولئك الذين يعضوا أصابع الندم على فُقدانها ، و نكتفي بأن نقول : كانت هذه الأشياء بالأصل لنا !