نهضت من سريرها ، و أخذت من ذلك المقعد وسيلة لتجلس و تربط شعرها المتناثر المبّلل بالماء ، عيناها شبه مغلقة بعد أن سرق النوم بعضاً منها ، ابتسامة هادئة تمّررها لي وسط نُور الصباح الباكر ، لا يبدو على وجهها الكثير من الفرح ، تنظر للمرآة بكل برود و هي تسّرح ما تبقى من شعرها الذي يُغطي نصف ظهرها ، تأخذ بيُمناها جزءاً منه ، و تقوم بيُسراها بربط ما كان بيدها الأخرى ، تكّرر ذات الخطوات بالجُزء الآخر حتى تصنع ضفيرتين بريئتين مثلها
- تبدين جميلة بتلك الضفيرة يا آشلي رغم عدم إجادتك التامة لها .
- الأشياء الجميلة لا تُصبح بذات الجمال إن تحّلى بها شخص أجمل يا جاك .
ثقتها بنفسها سخيفة في أحيانٍ كثيرة ، و أفعالها تضعني في حيرة طويلة أمام نظراتها البلهاء ، كيف لهذا الجمال الملائكي أن يكون غبياً ؟ قفزت بجواري على السرير و نامت على كتفي العاري ، لم تكن ملابس نومي ساترة كما ينبغي ، قبّلت تلك العظمة البارزة منه و أخذت تهمس كمدفئة شتاء هاربة من فصل الربيع ..
- سنذهب إلى التسوق هذا اليوم ، كان هذا وعدك لي بالأمس جاكي..
- أشعر بالتعب ، لنؤجل هذا الأمر لوقتٍ لاحق..
- أرجوك أرجوك ، أريد شراء بعض الأشياء المهمة لاستقبال صديقاتي في منزلنا اليوم .
- سنذهب إذاً
ما أجملها و هي تُصر على رغباتها ، هي كطفلة تم نزع قطعة حلوى منها ، و ترجو مُنتزعها أن يقوم بإعطائها ما قام بالاستيلاء عليه ، آشلي عبارة عن مشروع طفلة نضجت و بقِي أساسها كما هو ، نبضات قلبها هي نفس النبضات قبل عشرين سنة مضت ، أنثى يافعة بقلب طفلة ، فتاة ناضجة بفؤاد صغيرة حالمة ، ملاكٌ فاتن بصورة بشر .
كلّ طرقك مُهيأة لاستقبال حبي بطريقةٍ ملكية ، تفرشي الطريق بالأحمر ، و تنثري الورد على جنباته ، و تضعي في نهاية ذلك الدرب قلبكِ لينتظرني بكل شغف ، أراكِ تصنعي بين ابتسامةٍ و أخرى الكثير من الدروب الفرعية من خط حبكِ الأوحد ، تُظهري لي بأفعالك كل الإشارات المرورية التي تسمح لي بتجاوز كل حائط بيننا ، و أظل مندهشاً منها و أرّدد في نفسي طويلاً : ما هي خطوتي القادمة ؟
برشاقة ملفتة ، انتقلت إلى الحمام ، و تناولت معها علبة ماكياج ، وقفت أمام المرآة ، جمعت بيديها بعض الماء ، و نثرته بطريقة انسيابية على الحوض ، و أخذت بمسح ملامحها بما هرب بين مسامات كفها الصغير ، تُمسك بأصبع نحيل ذو نهاية قُطنية ، و تبدأ بإضافة لون داكن فوق جفنها الأيسر ، تُغمض عينيها بسرعة ، و تضع فوق الجفن الآخر ذات اللون و لكن بحذر شديد ، عيناها ترتجفان بخوف غير مبّرر ، يبدو أن هذا الأمر طبيعياً حين يتم وضع هذا النوع من المساحيق النسائية .
قميصها لم يكن كافياً لإخفاء ساقيها ، بل و كان يعرض بدايات فخذيها المنتفخان ، وزنها لم يكن زائداً ، و رشاقتها كفيلة لأن تمحي كُل صُور الترهلات في جسدها ، الجو بارد الآن ، و رداءها لم يكن داكناً بما يكفي ليُخفي تهّيج رمّانتيها ، لا أصدق بأن صدرها الصغير هذا يحمل هذا الحجم البارز ، هذا البرد قادر على أن يهّيج الكثير من الأحاسيس ليجّسد حقيقة الدفء القاطن بنا .
- آشلي ، يجب أن نذهب الآن لأضعكِ في السوق قبل مجيئه !
- حسناً ، سألحق بكَ الآن ،
* * * * *
ذات صباح ، قُمت باستغلال لحظة ذهاب زوجها للعمل ، و لحظة غيابي عنه ، ذهبت إلى منزلها البعيد عن منزلي ، و كان شوقي في سدرة منتهاه ، لقد أخذت عذراً طبياً لأغيب عنهم و أكون حاضراً معكِ ، كان منزلها مُطلاً على شارع ضيق لا يتسع إلا لمركبة واحدة ،كان حفيف الشجر يلّحن موسيقى باذخة على مسرح ذلك الشارع ، و تغريد العصافير يصنع بهجة الصباح و يرسم ابتسامة شابة مع إطلالة شمس جديدة ..
إنها الثامنة و الربع ، شارع برايندلي خالي تماماً و كأن الطريق يحيك لي ثوب الطمأنينة و أنا قادم إليكِ ، لا تستغربي خوفي من زوجك ، فأنا لا أعلم كيف رضيتِ بتقبيله في تلك الكنيسة ! هل اختفى رجال الكون حينها أم أن جثتهِ أوهمتكِ بأنه الوحيد في هذا العالم ؟ كم أكرهه كثيراً ، لم أرى بحياتي رئيساً بهذا القدر من السوء ، أشك بأنكِ تُعاني من مرضٍ عقلي في عام 98 ، هل كان تشجعيكِ للمنتخب بكأس العالم مجنوناً لهذا الحد حتى أفقدكِ الصواب ؟ لم يكن هدف ديفيد بيكهام بتلك الروعة أمام كولومبيا ، و لم تكن إجازة نهاية الأسبوع التي أُقيمت بها المُباراة حافلة بالكثير من الأحداث .
لقد تزوجتِ به بعد أربعة أيام فقط ، في تلك الليلة التي هُزمنا بها من الأرجنتين ، يا لهذا البؤس الذي سيحل هنا في مانشستر ، الجميع هنا حزين عداكما ، لقد كنتما برفقة منزل جديد و أثاث لم يمسسه جسدٌ قط ، تتبادلان القُبلات بنهم فوق السرير الجديد ، و تصنعا من كل لمسة الكثير من الحكايات ، و تشربا خمراً باهض الثمن كتقدير لهذه الليلة العاطفية ، هل يُعقل بأن نال أندرسون على كل هذا منكِ ؟ سحقاً ، أريد أن أنسى كل هذا .
صعدت الدرج المُؤدي لمنزلكِ ، وجدت الباب شبه مُغلق كما اتفقنا ، لا يمنعني من الدُخول إليكِ سوى دفعهِ للأمام فقط ، سأكون حريصاً على القيام بذلك دون أنّى ضجيج ، و أغلق الباب دون أن تشعري بأن هنالك شخصاً ما قد دلف إلى داركِ في هذه الساعة المُبكرة من الصباح .
الظلام حالكٌ هنا ، نُور الشمس الهارب من تلك النافذة هو وسيلتي للسير في ردهات هذا المنزل الصغير ، بدأت بالبحث عنكِ بخلسة وسط هذه التحف الثمينة حتى وجدتكِ تُمارسي عادتكِ الصباحية ، تأخذي حماماً دافئاً قبل أن تُباشري عملكِ المنزلي ، نظرت إليكِ من ثقب الباب لأستمتع بشيءٍ لا أراه دائماً ، جسد عاري تماماً ، و شعر ممتد لأقصى طول ممكن على استقامة ظهركِ ، و ماء يستبيح كل منطقة بجسدك ليمر من خلالها .
كّورت شفتيّ و أدخلتها من ذلك الثقب ، قُلت ” واو ” بصوتٍ خافت و لم تسمعي بسبب الماء المتساقط بغزارة على البانيو ، أخذت برفع معّدل تردد صوتي حتى ألتفتِ إلى الباب لتجدي شفاه مكّورة تتلصص عليكِ ، ابتسمتِ بخجل لذيذ و اكتفيت بالاختباء خلف ستارة تصنع ظلك بالتعاون مع نور النافذة خلفكِ . في الحقيقة، كان منظركِ حينها مثيراً لحدٍ كبير ، أعلم بأنكِ قُمتِ بذلك عمداً و كان ذلك من ضمن تخطيط مُسبق لكِ .
نُمت على السرير ، ذهبت إلى الهاتف لأتصل على مكتب أندرسون ، أخذت برصف عنوان الشركة من خلال أرقام مبعثرة ، وجدت رداً يُفيد بأن السّيد مشغول و لن يُجيب على الهاتف إلا في المساء ، كلامٌ كهذا يعني بأني سأحصل على ساعات إضافية مع زوجته ، عفواً ، حبيبتي ، لن أرحل من هنا إلا في المساء . لم أُكمل حديثي الباطني حتى أتت آشلي لتُقاطعه و هي تحتضنني من الخلف ..
- على غير عادتك لم تكن كسولاً حبيبي ..
أخذت بضم يدها الدافئة بيدي الباردة ..
و كأننا نصنع جُغرافية تيّار عاطفي ..
- كان شوقي لكِ بمثابة ساعات إضافية لنومي المتأخر مساء أمس ، كانت كل أفكاري تُؤدي إليكِ وهذا ما جعلني أسلك الدرب الأكثر اختصاراً ..
- هل سمحَ لك أندرسون بأخذ إجازة لهذا اليوم ؟
- إنها إجازة اضطرارية ، العذر الطبي ما زال مطوياً في محفظتي ، أو ربما في سيارتي ، لا أذكر ، أغمضي عينيكِ و هاتِ يدكِ اليمنى .. لديّ مُفاجئه لكِ ..
مدّت يدها ، أمسكت بإصبعها الذي يستقبل الخاتم بكل صدر رحب ، و أخذت بإدخاله بهدوء لكي تشعر كل خليّة به عن حبي لكِ ، أركنه في آخر إصبعك لأغلق كل الطرق المؤدية لعمقك ، و أحمل كفّكِ لأقبل الإصبع و الخاتم بآنٍ واحد و أسرق نظرة دافئة لعينيكِ ..
- أحبكِ يا آشلي ..
كلمتي زيّنت الكثير من الحقول بالياسمين ، قراري شكّل قوالب حُبٍ راسخة في قلبينا كعاشقين متّيمين ، نحن الآن ثلاثة ، أنا و أنتِ و الحب ، لا رابع لنا ، أحتاج إلى تمزيق ورقة زواجكِ مع أندرسون لأبدأ معكِ صفحةً جديدة بيضاء كبشرتكِ ، استقبالكِ الأنيق لحبي كان مدهشاً ، كنتِ تكنّي الكثير من المشاعر لي ، بأول شرارة كامنة فجّرتِ ينابيعاً من الحنان يا آشلي ، و كُنت كعَطِش انغمس في صفاء مياه غديرك ..