فتحت عينيّ ببطء ، و سحبت ذلك الغطاء الأخضر منها . هذا المكان نظيف ، رائحته عطِره و مرّتب بشكلٍ أنيق ، ما هذه البقعة الطاهرة ؟ و من أحضرني إلى هنا ؟ طُرِقَ الباب بهدوء ، بعد بُرهة ، دخلت أنثى جميلة تكتسي البياض ، ذات شعرٍ طويلٍ أشقر و ملامح اسكتلندية ..
- كيف حالك الآن سيدي جاك ؟ هل أنتَ على ما يرام ؟
- أنا بخير ، من أنتِ ؟
أخذَت بالنظر إلى ذلك المحلول ، و بطريقةٍ ما ، أدخلته بتلك الإبرة و طلبت مني الاستلقاء بهدوء على معدتي .. و قالت لي ..
- أنتَ مُصاب بعدة طعنات في جانبكَ الأيسر ، و هنالك كُسر بسيط في يدك اليُمنى ، احذر أثناء قيامك بهذا فقد نزفت كثيراً كثيراً .
بينما تقوم بغرز تلك الإبرة وسط آهات ألمي قُلت لها ..
- مُنذ متى و أنا هنا ؟
تفادت إجابتي و رحلت برفقة أدواتها من حيث أتت ، و بقيت أتحسس موضع تلك الإبرة بأطراف أصابعي الباردة ، يبدو أن هنالك خطب ما ، أنا لا أدرك ماذا يحصل لي تحديداً بهذا المكان ! أشعر بأن جسدي مُنهك تماماً ، قدمي معّلقة بزاوية أربعينية و عيني اليُمنى منتفخة قليلاً بشكلٍ يحجب بعض زوايا الرؤيا لديّ .
هذا الألم مقّزز ، يصنع في ملامحي شُحوباً عميقة ، الإحساس بالعجز يُقحم في رأسي فكرة جادة للانتحار ، هذه الحياة وُجدت لكي نتحرك و نعمل في ميادينها ، و جلوسي في مكانٍ واحد يعني أن هنالك أفكار سوداء تحوم حول مُخيلتي باستمرار ، كالقفز من الطابق العاشر على سبيل المثال ، أو غرز إبرة مجّوفة في وريدي ، و ربما تناول جُرعة زائدة من هذه الأدوية المُنتشرة على تلك الطاولة ، نُور الشمس يختبئ خلف هذه الستارة ليُعلن عليّ الظلام ، هذه النافذة لا تُقحم سوى غروبها الكئيب و كأنها تُشير إلى نهايتي على طريقتها الخاصة .
هذا الغروب يسرق كل لحظة وضوح ، و يُبرز رمادية ظلامٍ متوازن على الخط الأسود ، لتأتي النجوم و تُنذر ببعض الفرج ، و يستدير القمر ليزيد من إصرار النجوم على خلق جو تأملي للمستقبل ، للحياة ، و ربما لنفسي التي تتوالى عليها المصائب من كل صوب .
طُرقَ الباب و تم دفعه على مهل ، تظاهرتُ بالنوم هرباً من أسئلة تلك الممرضة الكئيبة التي تقوم بإجراءات عملها بصمتٍ مُطبق ، أغمضت عينيّ و كأني بسُباتٍ شتوي عميق وسط هذه الأجواء الباردة ، و مع ذلك الهدوء الرهيب ، كان هنالك صوت حذاء عالي ، يتحرك بانسيابية لم ألتمسها من تلك الممرضة على مدى ثلاثة أيام ، و رائحة عطر فوّاحة ترامت بكل أطراف غرفتي ، ينتابني فُضول لمعرفة من تذكرني وسط وحدتي الطويلة ، لكني سأظل مُلزماً على إتمام كذبتي ما دُمت خطوت الخطوة الأولى بها .
هنالك أنثى تبكي بجواري ، همساتها الممزوجة بالدموع غير واضحة ، لا أدري ماذا تقول ، أقترب ذلك الصوت من أذني الجريحة و بدا واضحاً هذه المرّة ..
- جاكي .. جاكي .. ؟!
و مع ارتفاع معّدل فضولي ، استدرت ببطء و نظرت إلى عينيها ، لقد كانت مفاجأة غير متوقعة أبدا ، أنا الغارق وحدي في شوارع و أحياء هذه المدينة ، تأتيني هذه المحّملة بالأوجاع من مكانٍ بعيد ، ليس سهلاً أن تخرج من لندن في هذه الفترة من السنة ، لكنها فضّلت القُدوم لترى ماذا حلّ بي .. قبّلتني بشوق و قلت لها بلهفة ..
- مضى زمنٌ طويل يا كريستينا ، ظُهورك بهذه الهيئة يُشير إلى أنكِ تخّطيتِ محنتكِ المرضية يا جميلتي ، كيفَ تمّكنتِ من الحّد منه ؟
- هذا المرض أشبه بورقة خريف باهتة يا جاكي ، يُنسيكَ ملامح الربيع البهيّة و أمطار الشتاء الباردة و حتّى قسوة الصيف في لندن ، أفجعني خبر غيبوبتكَ التي استمرت لشهرٍ كامل ، كيف حالك الآن؟
بدأتُ بإبراز عينيّ التي اكتست الرهبة و عضضت على شفتي السفلى بقسوة ..
- شهرٌ كامل ؟ أيُعقل هذا ؟
جلست بجواري و أودعت رأسي على صدرها و بدأت بالبُكاء ..
- لا تقلق أرجوك ، كان هنالك ارتجاجاً قوياً في مخك ، كُنت في وضع لا يُحسد عليه حين ضُربت من أولئك السفلة ، و أنا أقوم الآن بمُقاضاتهم منذ نصف شهر ، و ما زالت القضية معّلقة و لم نصل للجلسة الأخيرة التي تحّدد نوع عقوبتهم .
- لا أذكر شيئاً من ذلك ، لكن مُنذ متى أصبحتِ مُحامية ؟
وضعت رأسي على الوسّادة و أخرجت من حقيبتها أحمر شفاه و بدأت برسمهِ على حدود شفاهها البارزة ، كانت تحّدق للمرآة بطريقة غريبة و كأنها تراها لأول مرّة ..
- هذه الحياة تعّلمنا الكثير يا جاك ، و تأخذنا إلى حيث لا نحتسب ، أنا لم أتوقع أن أكون في يومٍ ما مُحامية تحمل بين طيّات ملفاتها قضايا المُنتكسين في هذه البلاد الكبيرة ، لقد درست القانون حتى ارتويت يا صديقي .
هذه المدة الطويلة لم تكن كافية لتُغّير من أطباع كريستينا ، لُغتها الحادة ، شعرها القصير ، تدخينها بشراهة ، المرض أجبرها على اتخاذ نمط اللامبالاة و السير على روتين مُحّدد حتى تمكنت من تجاوز محنته ، و ها هي تظهر بشكلٍ مُغاير ، أصبحت مهتمّة بأحمر الشفاه ، و أصبح لها طُرقها الخاصة في إمساك السيجار على طُرق المافيا ، وتبدو أكثر وحشية من السابق و أصبح بإمكانها أن تضرب رجلاً ! هذا المرض أكسبها قوة الرجال بالتحّمل و صبر الصيّاد في انتظاره للسمك . نظرت إليّ و قالت ..
-أين هي خليلتك؟ رسائلك الالكترونية عنها زادتني شوقاً لأراها؟ أظنها آشلي أليس كذلك جاكي؟
انتابني صمتٌ رهيب ، و توغلت بي الكثير من الأحاسيس الضارة ، لماذا تجّددي ذكراها يا كريستي في أزمتي الصحية هذه ؟ لماذا تُعيدي إشعال الشمعة التي أطفأها القدر على أيدي العصابة تلك ؟ قُلت ببلاهة ..
- من هي آشلي ؟