ما أكبر هذه الحياة ، و ما أغرب قُرعة الله بها ، لا يوجد هنالك من يدري أين سيُولد ، وكيف قُدِّر له أن يعيش ، أفقيرٌ سيكون أم غني ؟ بأي دولةٍ سيهبط من السماء ؟ بأيّ نُطفةٍ ستختبئ روحه لتكبر ؟ و من ستُشرف على رعاية ابتسامتهِ الأولى ؟ أمٌ ودود أم عاهرةٌ جحود ؟ نحن نتاج إتصال روحين ، و لا تأخذ نُطفنا إلا ما تشتهي من صفات أباءنا و أمهاتنا ، و تتجسّد بنا حين نكبر .
لماذا قدِّر لآشلي أن تنام بحضن رجلٍ غيري ؟ هل يعلم الله بأنها لا تُناسبني ؟ أم أن حظي المريض لا يود أن يُشفى ؟ لم يعد هنالك ما أستند عليه ، رحيلها أفقدني توازني و أنهك جسدي المتعب ، إني أقف على شفير الموت ، بين خطّين حادين ، أرقب الدنيا التي تحتضن دفئك ، و أتأمل ما وراء الموت لعّلي أجد آشلي جديدة هنالك .
لم يعد سِربال الإنتظار مُجدياً يا آشلي ، لقد تمّزق بما يكفي بغيابك و لم يعد ساتراً لجروحي ، تأملت عطفكِ على فقري ، و لم أجد ما أُسندت آمالي عليه . لم أتمكن من تعليقكِ على مشجب أحلامي ، ولا حتّى على جِدار أمنياتي ، أنتِ كنسمة قدرٍ مرّت بجواري و أستقرت في مكانٍ بعيدٍ يصعب تحديده .
عُدت إلى منزلي منذ عشرون يوماً ، و مازلت أردم كلّ ما يتعلق بكِ ، صُوركِ التي تختبئ بين أدراجي ، سواركِ الذهبي الذي نسيتهِ يوماً و لم تعودي لأخذه ، دُبكِ ذو الفرو الناعم و الذي كان يُشاطرني النوم في أحضانك ، أشعلت سيجارتي الرخيصة و بدأتُ بتدخينها ، أمسك صورتكِ و أتأمل في نفسي ; هل ما زلتِ تبتسمي بهذا الشكل ؟ تنفستُ السيجارة بعُمق و وضعتُ مقدمتها بقسوة على أرنبة أنفكِ ، أخذت بالضغط عليها بقوة دائرية حتى اختبئ وجهكِ بين الرماد ، و رميت بقاياكِ وسط تلك المدفأة التي تجاورني .
في نادي Harvest الرياضي ، ذلك الذي أوقعني في شباك أنثى للمرة الأولى في حياتي ، كنتِ مِمن يُحافظ على لياقتهِ كثيراً . أذكر حينها أننا كنّا نؤدي تمارين اللياقة سوياً في نهاية الأسبوع مع المدّرب ديفيد ، و كنت أنتظر الفترة الصباحية بشوق لنؤديها معاً ، كان هنالك تمرين فاسق يَدّعي ديفيد بأنه يساعد على شد عضلات الظهر ، نضع أطراف أيدينا على نهايات أطراف أرجلنا لمدة دقيقتين ، هذه المجموعة من التمارين يجب أن تُؤدى بين شخصين متجاورين ، و كُنتُ جاركِ الذي ينتظر ذلك التمرين . أعترف حينها بأني شخص منحرف مع ساعات الصباح الأولى ، إذ تقومي بشد ظهركِ و تقومي بذات الحين بشد رغبتي لسرقة نظرة تأملية على ثدييكِ المتدلين كتفاحٍ هارب على غصن متهالك ، لا أشك أبداً بأن عطركِ المتسّلل إلى أنفي كان جرّاء التحامهما سوياً أثناء التمرين . لم يصدف أن اقتربت امرأة فاتنة مني إلى هذا الحد ، و لا أظن أنها تقصد اثارتي بقدر ما أنها تؤدي المطلوب منها فقط .
ومع انقضاء تلك التمارين ، ذهبنا للراحة ، و أصبحنا نمّرر لبعضنا الأحاديث بين فنجانيّ قهوتنا ، نتبادل الإبتسامات و الأمنيات الخاصة لفبراير . وجدنا أن أمنياتنا قريبة من بعضها البعض ، كالقفز المظلي وسط لندن ، و كالسُكنى في جزيرة نائية محفوفة بالشلالات ، و من هنا نشأت بذرة الإعجاب فيما بيننا ، و بدأت بالنمو مع المواعيد التي عزّزنا بها علاقتنا حتى أصبحت شجرة يانعة ، تُنتج الثمر .
استيقظت من نزوة ذكرياتي على رنين جرس منزلي الذي ملء رماد الماضي بألوان واقعي المرير ، يبدو أن كريستينا سبقت موعدنا بدقائق من مساء هذا اليوم . فتحتُ الباب لتدلف بعد تبادلنا لتحايا المساء . لقد أتخذت من ذلك الكرسي مقعداً لتلتقط أنفاسها المبعثرة جّراء صعودها للدَرج ، قُلت لها بنبرة ساخرة ..
- لقد كبرتِ يا جدتي ، و بالكاد تلتقطي أنفاسكِ .
ضحكت بصوتٍ هادئ و أردفت قائلة ..
- و لقد بدأت بالتخريف و النسيان قبلي أيها المنتكس .
أمسكتُ يدها بصمت و صعدنا إلى الدور العلوي ، لا أريد أن أرى أيَّ أنثى في هذا المجلس اللعين ! هذا المجلس شَهد بكافة أثاثه و أسماكه القاطنة بالحوض أول قُبلة تناولتها آشلي من شفتيّ حين كان مؤثثاً بمنزلي القديم ، هذه القُبلة راسخة في ذهني و لم يُذهبها فقداني النصفي لذاكرتي ، لقد كان الفاصل بين قُبلةٍ و أخرى هو النظر إلى السمك بجوارنا لنلتقط أنفاسنا المتوترة و نعاود بثّها بوتيرة متوازية تُشبع البرد الذي يحف شفتينا .
في الطابق الثاني ، طلبتُ من كريستينا بأن تأتي معي إلى المطبخ لنُجّهز شراباً دافئاً في هذا البرد ، و اقترحت عليّ بأن نصنع قهوة فرنسية لتمنحنا نشوة دفء ، و مزاج سلس بإمكانه ان ينتقل من حديثٍ لآخر دون أن يتوقف بإستراحة مُحارب ، و بينما أقوم بملء الماء لتسخينه ، قلت لها ..
- لماذا يخذلنا الحدس دائماً و نتصّور الخطأ في بداية كل الأمور ؟ لم أكن أتصور وقفتكِ بجواري طِوال هذه المدة يا كريستي !
أخرجت علكة من حقيبتها و بدأت بغرز أسنانها بها و كأنها تود أن تنقل الحديث لمجرى آخر ..
- لا يبقى بالجوار إلا الأثمن ، و كلَّ ما رحل مجّرد سحابة عابرة غير مأسوفٍ عليها ..
شربنا القهوة ، و تبادلنا الأحاديث حتى ساعات الصباح الأولى ، و حان وقت فيلم السهرة ..
- سنُشاهد فيلم A walk to remember ، يبدو جميلاً من غلافه ..
- لماذا لا نُشاهد فيلماً مُرعباً ؟
- لا أحبذ الأفلام المُرعبة في هذا الوقت ..
بدأت بالضَحك و أكَتفت بوصفي بالجبان ، أخرجت الـ DVD من داره و وضعته بمشّغل الأفلام ليبدأ العرض . الفشار جاهز و عصير الليمون بارد بما يكفي لأن يُكمل ساعتين دُون أن يُصبح حاراً .
( بعد ساعة من المُشاهدة )
و في أثناء مُشاهدتنا للفيلم ، تخّللت بين لقطاته قُبلات بين ابنة القسيس الجميلة المُحافظة و بين صديقها في المدرسة ، كم كان مُدهشاً هذا اللقاء الذي يصنع الحب دُون أدنى ميعاد ، وكم هو لذيذٌ أن تجتمع جاذبية الفقر بالغنى من خلال قوانين الحب الذي لم تكتشفها معادلات نيوتن ! وبينما اتأمل بأحداثه ، استدرت عن شمالي لأرى تذبذب عينيّ كريستينا بين موجتي النوم و الإستيقاظ ، تُحاول تارةً بأن تبقى مستيقظة حين تفرك عينيها بإصبعها ، و تحاول تارةً أخرى بأن تنام حين تسنُد رقبتها على الوسّادة خلفها ..
- كعادتك ، لا تشهدي أحداث الفيلم بالكامل و تُفّضلي أن تنسحبي في منتصفها ..
ألتفتت رقبتها صوبي و ابتسمت ابتسامة نائمة و أسندت رأسها على كتفي الأيسر ، هذا الشُعور يمزجني بين حاضرٍ لم أرسمه من قَبل و ماضٍ اندثر مع طمس ملامح آشلي الأخيرة ، رقبة كريستي وضعتني في موقفٍ لا يُحسد عليه ، هل أتابع أحداث الفيلم أم أتفّرغ لألملم قطع الماضي المتناثرة أم أكتفي بشم رائحة شعرها ؟
أذكر آشلي جيداً عندما كُنت اشاهد الأفلام برفقتها حين يكون زوجها على سفر ، كانت تُثرثر كثيراً حين تجد حدثاً لا يروق لها ، و كانت تبكي بوفاة بطل أو حبيبته ، أذكر قبلاتها الحارة مع نهاية الفيلم و كأنها تُحاكي أحداثه الأخيرة إن كان بنهاية سعيدة ، في المُقابل ، كانت تُحجم دمعتها عن الظهور في حال انفصال حبيب عن حبيبته بأيّ صُورةٍ كانت و تكتفي بالنوم على صدري ، لا أتذكر يوماً بأنها غفت على كتفي أثناء مُشاهدة فيلم ، أو حتّى أثناء سفرنا إلى هولندا بالقطار الممل كما تفعل كريستينا الآن !
هل تذكري يا آشلي قفزة روز من القارب لكي تعود إلى أحضان جاك في تايتنك ؟ هل تذكري حين أشتعل قلبكِ بالغيرة من فعلتها و قُلتِ بالحرف الواحد : لو كُنتَ مكانه لقفزت إلى قلبك مباشرةً ؟ أين أنتِ عن قلبي الآن ؟ هل كُنتِ تُحاكي أحداث الفيلم أيضاً و قُمتِ بإدراج ثرثرة في صفحتي الممتلئة بكِ ؟ أين قفزتكِ لتبحثي عن مقر سكني الجديد ؟ وماذا حدث بمنزلي القديم ؟ هل تعلمي بأني على قيد الحياة ؟ أنتِ لا تعلمي شيئاً أبداً .
و مع نهاية الفيلم ، أخذتُ بخفض معّدل صوت التلفاز ، و في أثناء ذلك تحّركت كريستينا و كأنها انتبهت لنهايته ، ابتسمت و أخذت برفع رأسها عن كتفي المخّدر إزاء نومها ، و قامت بتطويق يديها على عنقي ، و في أثناء نهوضها انتبهت لطعنتي المؤلمة و قامت بتقبيل كتفي ،
- ليتك تعلم حجم الدفء الذي منحه هذا الكتف لي ..
أندهشت من رقّة قوسي عينيها في سمائي ، اقتربت شيئاً فشيئاً حتى زرعت قُبلة طويلة نائمة بشفتي العُليا ، لأظل مستسلماً لكل ما تفعله تماماً ..