لقراءة رواية شارع برايندلي بكامل أجزاءها الرجاء الضغط هنا
شهر ابريل عام 91 م
حملت حقيبتي على ظهري ، و أخذت بشق طريقي إلى المنزل على درّاجتي بعد ساعاتٍ جامعية رتيبة لهذا اليوم . منذ مدّة طويلة لم اشتهي قدوم إجازة نهاية الأسبوع لأنعم بالراحة ، و لأمارس بعض الشغب مع أصدقائي و صديقاتي بمُدن الألعاب الترفيهية التي لا تنتهي في لندن . دلفتُ إلى المنزل و قُمت بتعليق حقيبتي لأتلقّى ترحيباً كبيراً بقدر حبي لوالدتي مونيكا .
- كيف كان يومك بالجامعة يا بُني ؟
حضنتها بقوّة و أنا أرّدد كلمات الاشتياق لها ..
- كان جميلاً يا أمي ، كجمالي حين أكون بين أحضانك ..
أمي ، كم أحب أن أرى صُورتي في عينيها ، إنها مرآة حُبٍ طبيعية تنشأ من تكّون دموعها حين تشتاق إلي ، كيف لا و هي التي اعتنت بصُراخي المزعج حين كنتُ طفلاً و غدوت اليوم ناضجاً مُتحدثاً بفضلها و كرمها عّلي . هي تُؤدي دور الأب و الأم بآنٍ واحد ، أبي الذي غادر مع قوّات التحالف لتحرير الكويت ، و انقطعت أخباره تماماً و لا نعلم ماذا حصل له ، هل هو ميت الآن ؟ أم أنه يتعّرض لتعذيبٍ يُنهك جسده من قِبل العراقيين ؟ كم أشعر بثِقل فقده على قلب أمي و قلبي ، إني أشعر بمسؤولية المنزل الآن ، و أستشعر ألآم انتظارها على عتبات الليل الطويل . أُدرك جيداً أن الليل وحده لا يأتي بالأمنيات مهمّا علقنا آمالنا بنهاياته ، و لن تستطيع الشمس جلبها لنا و إن تأرجحت أنظارنا بنُورها في آنٍ واحد .
لقد اتفقنا أخيراً أنا و كريستينا بالجامعة على أن نذهب إلى مدينة الألعاب مساءً ، تمنيت كثيراً بأن أراها خارج الإطار الجامعي و كيف سيبدو شكلها دُون معطفها الفيزيائي الأبيض ، كيف ستكون تسريحة شعرها و ماذا سترتدي من ملابس نسائية فاتنة ؟ لقد صارحتها بعد الاتفاق بأني سأطبق قانون نيوتن الثالث بحذافيره في حال وجدت فعلاً يستحق ردّة فعلي تجاهها ، و حينها أكتفت بابتسامة خجولة ، و لم تكن جادة بما يُرضى غروري تجاه ما صارحتها به ..
( في العاشرة من مساء هذا اليوم )
- أين أنتِ يا كريستي ؟
- لنلتقي في شارع ويستبورن بعد 10 دقائق من الآن ، سأكون هنالك ..
وُجودي في لندن ، يعني وجودي في قلب أكبر صخب عالمي بشري ، أشعر بصعوبة القيادة وسط هذا الزحام في ويستبورن ، لندن تعج بضجيج كل قارة من قارات العالم ، فما أكثر الآسيويين و الأفريقيين بها ، إنهم يتلقون معاملة جيدة تكفي لأن يجعلوا من لندن مُستقراً لهم ، و وطناً يرزقهم بحياةٍ كريمة بعيداً عن الفساد الآسيوي و الفقر الأفريقي ، فآسيا الثريّة بالغالب تُعاني من تضخّم معدة كل مسؤول يقبع تحت سقف الحاكم ليتناول فضلاته التي توّفر له و لأحفاد أحفاده الحياة ، و يتشكّل الفقر الأفريقي من تجاهل الراعي لرعيته بحثاً عن رضا أوروبي أمريكي يوّفر الحماية اللازمة لاستمرار أنظمتهم على ذات السياق لأطول وقت ممكن تحت غطاءٍ يراه المواطن جميلاً و يراه الآخرون مجّرد قذارة ..
و أخيراً ، أنا بالشارع الذي سأقِل به كريستي لنذهب إلى ما خطّطنا له ، توقفت بجوار مطعم ايطالي يقّدم اسباغيتي ساخنة ، و متجر لبيع المجوهرات الثمينة . في أثناء انتظاري راودتني فكرة شراء سوار ذهبي يتزّين بيدي كريستينا ، سأبدو لطيفاً إن فاجأتها بهدية غير متوقعة لهذا اليوم ..
ركضت تجاه المتجر لأشتريه قبل قدومها .. و في لحظة دخولي له ، كنتُ بالكاد أقوم بتجميع كلماتي من التعب ..
- مرحباً ، أبحث عن سوار ذهبي يليق بفتاة جميلة و بسعر معقول يا صديقي ..
انتظرت لدقيقة حتى عاد ، و عرض عليّ مجموعة كبيرة و قُمت بالإشارة على سوارٍ منها ..
- تبلغ قيمته 75 باوند ..
- جميل ، خذ المبلغ و أعطني إياه ..
- ألا تُريد تغليفه ؟
التقطت السوار و ركضت ، و قُلت له بأثناء ركضي ..
- شُكراً لا أريد ذلك فأنا على عجلة من أمري ..
عُدت إلى الشارع لأتفاجئ بوجودها قُرب مركبتي ، و في هذه اللحظة قُمت بإخفاء السوار بخفّة في جيب بنطالي ليُصبح موارياً عنها ..
- أنا هنا يا كريستي ، عذراً كنت أبحث عنكِ بالجانب الآخر من الشارع ..
- لا بأس يا صديقي ، هيا لنذهب سوياً في مركبتي ..
- و ماذا عن مركبتي ؟
- دعها هنا ، نريد أن نستمتع سوياً و نبقى بجوار بعضنا لأطول وقت ممكن بدلاً من لحاقك بنا بسيارتك ..
- حسناً ، انتظريني حتى أقوم بإطفاء مُحركها ..
يبدو أنها سعيدة لحُسن حظي ، سأحاول أن أصطاد ودّها وسط هذا الاكتظاظ البشري ..
قُمت بإطفاء محّرك المركبة، و ذهبت إلى الباب المجاور لها لأقوم بفتحه ، و حين فتحته وجدتُ رجلاً بجوارها ! ماذا يحدث بالضبط ؟ فأنا لم أره بسبب العازل الأسود على الزجاج … !
- تعال إلى هذا المقعد خلفي يا جاكي ..
دلفت و كُلي دهشة ، من هذا الرجل الذي يجلس بجوارها ؟ و من هذه الفتاة الجميلة التي تجلس بجواري ؟
- مرحباً بكم ..
- أهلاً و سهلاً بك يا جاك ، سُررت برؤيتك ..
ألقيتُ التحيّة بحرارة ، و داخلي ما زال مجّمداً يبحث عن حرارة جواب ليستفيق من حاله ، و بدأت حينها كريستي بالحديث وسط موسيقى البوب و صيحات جاكسون …
- لأعّرفك على الموجودين جاكي . ستيف ، جاري القديم قبل أن ينتقل إلى مانشستر لإكمال دراساته العُليا ، و آشلي التي أتت برفقته ، صديقة ستيف و جارته الحالية في مانشستر ، ألا ترى ماذا تصنع الصُدفة ؟
دخل الجميع بأجواء ضاحكة رغم إحباطي الشديد مما أنا به ، لماذا لم تأتي كريستي لوحدها معي ؟ تباً لغبائها ..
لم أكن سعيداً بالمعنى التام ، ماذا تقصد بالضبط من إتيانها بشخصين لم أرهما من قبل ؟ هل تلعب الصدفة دورها بالموضوع أم أنها تتعّمد ذلك لكي تتجنب الاحتكاك المباشر بي ؟ مزاجيتها المتقلبة تُؤيد و تُرّجح كفة تعّمدها لهذا الأمر و لا أعلم لماذا تحديداً ! هل لأني لا أستحق ودها ؟ أم أنها لا تتودد للرجال إجمالاً كما أراها بالحرم الجامعي ؟ إنها أنثى تتّخذ من الانطواء وسيلة لتُمارس طُقوسها الخاصة ، فهي تُدخن بشراهة و تشرب بإسراف في النوادي الليلة المترامية على أطراف لندن ، ولا تكترث بما يدور حولها ، هي تسعى لإسعاد نفسها في المقام الأول ثم يأتوا الناس بعد ذلك من ضمن حساباتها .
وصلنا إلى الملاهي ..
و تفّرقنا جميعاً عن بعضنا البعض لمدة ساعة تقريباً ..
و بينما كنتُ أشاهد الفتيّة و هم يلعبون ، شعرت بلمسة إصبع نحيل ينقر كتفي كطائر صغير ..
- لماذا أنت وحدك يا جاك ؟
- لا شيء يا آشلي . أنا سعيد حقاً ، تأملي الأطفال و هم يلهون ، منظرهم رائع ..
- …..
- أين كريستينا و ستيف ؟
- بالجوار ، يلعبون ألعاباً خطرة و تستهلك الكثير من الوقت . هل تشاركني العشاء ؟
- سأكون سعيداً بذلك ..
بحثنا أنا و آشلي عن مطعم لنسد رمق جوعنا ، و بينما نسير في أرجاء هذه الملاهي ، كنّا نقوم بالتعليق على صُراخ الأطفال و الضجيج المصاحب لهم أثناء اللعب حتى وجدنا مطعماً جيداً يقّدم الوجبات السريعة ..
جلسنا على طاولة مستديرة ، و استمرينا بالضحك سوياً و تبادل أحاديث الماضي و علاقتنا بالمُدن الترفيهية قبل قُدوم العشاء . أخبرتها بأن طفولتي لم تكن مُشبعة للشقي الذي يسكن بداخلي ، فقد كنّا نعاني من تفّكك أسري و مشاكل كثيرة لا تنتهي ، كان أبي كثير الخروج من المنزل ولا يعود إلا بساعاتٍ متأخرة من بداية اليوم ، و أمي التي تُعاني من أمراض بالقلب و الدماغ مما يسّبب لها أزمات صحية تؤلمني كثيراً ..
كانت تتأمل كلامي بحسرة ، و قالت ..
- والدي متوفي ، و نحن نعيش على الأرباح التي تنتجها لنا شركتنا التي تركها لنا قبل مماته ، هل سمعت من قبل عن شركة تايلر ؟
- لم أسمع بها من قبل ..
- هي شركة مُنتجات غذائية على مستوى بريطانيا ، و لكننا أصبحنا نهاب الإفلاس فتسقط الشركة ، لا يوجد هنالك أي مصدر نعيش به سواها . حتى والدتي تركت أكاديمية التدريس لتسعى وراء ثروتنا بكل ما تملك من جُهد ..
بدأ صوتها بالانحراف عن مساره الطبيعي .. و أضافت ..
- أخاف كثيراً من المستقبل يا جاك ..
أمسكت يدها بقوّة .. و قُلت لها بصوت ذو ملامح بريئة ..
- جميعنا نخاف منه يا آشلي ، يجب أن نفعل ما بوسعنا فقط و لنترك الساعات القادمة و شأنها .
بعد دقائق من الصمت ، وصل الطعام و طلب النادل أجره ، ست قطع دجاج ، كل قطعة بقيمة ثلاث باوندات ، طلبت من آشلي أن تحسب المبلغ الإجمالي و لكنها أكتفت بالضحك الخجول ، ابتسمتُ و أخرجت له المبلغ المطلوب و قلت لها وسط ضحكات متبادلة فيما بيننا ..
- ما علاقتك بالرياضيات ؟
غطّت عيناها بيديها و قالت ..
- صفر ..
سحبت يديها من عينيها ، و قُمت بتعليمها جدول الضرب عن طريق أصابعها ..
- على الطاولة الآن ست قطع دجاج ، و مبلغ كل قطعة ثلاث باوندات . هذه ثلاث أصابع تمّثل ثمن قطعة ، و هذه ثلاث أصابع أخرى تمّثل ثمن قطعتين ، و هذه ثلاث أصابع أيضاً تمثل قيمة القطعة الثالثة ..
بدأت بالضحك لأنه لم يتبقّى سوى إصبع واحد بيدها ، و حينها اضطررت لضم يدي ليديها لنمثل ثمن القطع المتبقيّة ..
- و هذا ثمن القطعة الرابعة بالاشتراك بين إصبعين مني و إصبعا منكِ ، و هذا ثمن الخامسة و هذا ثمن السادسة . الآن قومي بعّد كلّ الأصابع المضمومة على بعضها ؟
نظرت إلى وضع أيدينا بخجل و قالت ..
- 18 باوند ..
- رائع ، يجب أن اختبركِ لأتأكد من وصول المعلومة جيداً ..
- لقد برد الدجاج جاكي .. !
- سؤال فقط و بعدها نبدأ الأكل .. ماذا لو لدينا أربع قطع ، ثمن القطعة باوندين ؟
فرَدت يديها على الطاولة و بدأت بالحساب ، و قالت بعد بُرهة من التفكير ..
- 8 ياوندات أليس كذلك ؟
- و ماذا عن هذين الإصبعين اللذين لم تضميها مع البقيّة ؟
- لا شأن لهما ، كالإصبعين اللذين تفاديتهما قبل قليل ..
- رائع رائع ..
تناولنا الطعام على أنغام موسيقى هادئة بداخل المطعم . آشلي متجاوبة تماماً مع حديثي و تتزحلق معي من منحدر لآخر بطريقة سلسة جداً ، و نُعاود التسلق إلى قمّة حديثٍ آخر دون كلل ولا ملل . رنّ هاتفها المحمول …
- سنأتي حالاً ..
قُلت لها ..
- من المتصل ؟
- ستيف و كريستي ، يريدوننا أن نأتي لنذهب ..
- قبل أن نذهب ، أريد أن أهديكِ شيئاً ..
- … ؟
أخرجت السوار من جيب بنطالي ، و وضعته على يدي آشلي وسط ترقبها للموقف ..
- لا أستحق هذا يا جاك ..
- هو لكِ ، اقبليه فقط ، و هذا رقم هاتفي ، قد نلتقي يوماً يا آشلي ..
- سأحفظه بالتأكيد ، و سأتصل يوماً ما بك ..
نهضنا و ذهبنا إلى المركبة بعد سهرة ممتعة غير متوقعة ، و أعادتني كريستي إلى ويستبورن حيث كانت سيارتي ، و قمت بتوديع الجميع رغم أن وداعي كان متركزاً على آشلي ، تلك التي أضافت لسهرتي نكهة لم أتوقع حدوثها أبداً ..