مارس 2002 م
ما معنى أن تُحب بفوضى ؟ هل جّرب أحد العشّاق الحقيقيون بأن يتوازنوا ما بين خطٍ فاصل لحُبّين مختلفين ؟ هنا سيبدو الأمر صعباً بكل ما تعنيه الكلمة من معنَى ، فالحب بمعناه الحقيقي هو مُحاولة لصُنع قاعدة واحدة تلم شمل المُحب و خليله ، و الحب بمعناه الفوضوي هو مُحاولة لترتيب صُورة متقاطعة تُرضي مزاجية صاحبها المتقّلب .. يقَّلب بقِطعها كيفما يشاء ..
في الحقيقية ، أملك في قلبي حُباً فوضوياً حقيقياً ! أريد أن أقّلب قاعدتي ما بين آشلي الغائبة و كريستينا الحاضرة ، أريد أن أرّتب الصُورة التي تُلائم مقاس رغبتي لكل يوم ، كأن أرى وجهاً يجمع زُرقة عينيّ آشلي و أنفها الصغير ، و شفاه كريستينا البارزة و بشرتها البرونزية ، و أعيش مستمتعاً بهذا الحب الفوضوي الحقيقي . أرغب ( بطريقةٍ ما ) بان أجمع حُبهما في معادلة من الدرجة الثانية لأحصل على جوابين صحيحين تماماً ..
آشلي يا جميلتي ، سأخبركِ بسر قبل ولوجي من باب حب كريستينا الكبير ، كم أحبكِ كثيراً يا فتاتي الكسولة ، و كم أعشق روحكِ المُغامرة يا طفلتي الحبيبة . كيف سيبدو شارع برايندلي من دُونك ؟ و من سيحيك لي الأمان إن عبرتُ من خلاله ؟ وما عدد الوخزات التي ستُصيب قدميّ و قَلبي إن صدف أمام عينيّ ؟
وداعاً حبيبتي ، وداعاً لصمتكِ الذي قتلني ، وداعاً لأحزاني التي تشّبثت بدروبكِ الباحثة عني ، وداعاً للوعد الذي منحتكِ إياه بأن أبقى معكِ للأبد ، و حبيباً لكِ لحين أموت ، و وداعاً لكل الكنائس التي قَبلت توبتكِ من حُبي و لم تقبل صلاتي لأن تكوني معي ..
* * * * *
صافحتُ حبي الجديد بحرارة ، و ضممته بكل ما أملك من دفءٍ متبَّقي بأوردتي ، لم أشعر بهذه الطمأنينة مُنذ زمنٍ بعيد ، هي طمأنينة الولوج لباب حُبٍ يُفتح لأول مرّة . كمَن يُعاني من حرارة ظهيرةٍ ساخنة ، و يدخل بشكل مفاجئ إلى زاوية مكّيفة تُوازن كل أحاسيسه المشتتة بسبب سخونة الأيام و قسوتها ..
ما ألذ هذا المدعو بالحُب ، وما أكبر بابه ، أنا الذي أخطو إليه بجديّة أكبر هذه المرّة ، و أقطف من ثماره المنسدلة على أطراف حدائقه الغنّاءة . هذا الحب أشبه بجنّة كبيرة جداً ، أُعِّدت لكي أنعَم بمحاصيلها التي لا تنتظر أي مُستهلكٍ في هذا العالم سواي ..
هذه الزهور البديعة تنتظر رقصتي ، و تلك النحلات مُستعدّة لأني تبني مملكة متكاملة من حبوب لقاحي المنثورة بكل أرجاءها ..
هذه الجنّة لا تُشبه جنّتي القديمة مع آشلي .
بالسابق ، لم أكن أملك صكوكاً شرعية تخّولني لبناء أيَّ قطعةٍ بها ، فسُور زواجها قَسَم تلك الجنّة إلى قسمين ، قسمٌ برعاية زوجها ، يُشرف به كيفما يشاء ، و الآخر برعايتي المرتعشة ، و لا أُشرف سِوى على بقايا ذلك الرجل ليلاً ، فأنا أخاف النهار برفقتها لكي لا ترانا السماء ، على عكس اندرسون الذي يُمارس كافة أنشطته معها دون أي يخاف من حرارة الشمس ، ولا من لهيب الألسنة التي تحرق دون اكتراث ..
لم أصّدق أن جنّة كريستينا بهذا المتّسع الذي يحتويني ..
جميع الأشجار ناضجة ، جميع الفواكه محّللة و جاهزة للأكل ، و كل الأراضي قابلة للزراعة و الرَّي من قِبلي ، حيث لا رماد يجر من خلفه خيبات الماضي ، و لا خريف ليقتلع موسم ربيعي .
حبّها أشبه بفكرة زينوب غرام حين أكتشف موّلده الكهربائي لأول مرَّة ، إذ أضاءت فكرتها كلَّ مساحات حبي المظلمة ، سواءً تلك المعطوبة من قِبل آشلي أو حتى الجديدة التي لم تُكتشف بعد ! سأكون التجربة التي تُعلن نجاح اكتشافك ، و تكوني الفكرة المدّونة في سماء كل مهتّم بأوائل الاكتشافات ..
سأزرع القرنفل بكل حدائقنا ، و أعلن بأنكِ موسم حصادي الطامع إليه ..
سأحبكِ و أحبكِ و أحبكِ ..
و ستُحبكِ كل حديقة ، و كل زهرة ليمون نبتت بجواركِ ..
* * * * *
تناولت أحد دفاتري القديمة و دوّنت تاريخ حزني اليوم ، و بدأت بكتابة بعض القصائد في أركان هوامشه ، أعدت النظر لها فوجدتها هي الأخرى تختبئ بعيداً عن الأسطر ، و لا تملك الثقة الكافية لأن تقف فوقه بثبات. مكتوبةٌ بشكلٍ مائل غير مُغرٍ للقراءة ، كأنها معّدة لأن تُقرأ مرةً واحدة فقط ، و من ثم تصبح غير قابلة للاستعمال ..
توالي الأحداث يكّدس الكثير في ذاكرة مفاهيمي ، و نظرتي للكثير من الأمور في تغيرٍ مستمر ، حتى الحب الذي لم أُلقي له بالاً بأيامي الخوالي ، بدأ بالوُلوج العميق بي ، نظرتي للأنثى لم تَعد عابرة ، و أصبح تفصيلها من ضمن هواياتي المحببة ، كأن أفهم كيف تفكر ، أو حتى كيف ترى الحياة من عينيها ، و ما هو تعريفها للحب وما هي أطواره الأكثر لذة لنكهة مزاجها الخاصة ..
آه من النوم ، و الفراغ الشاسع الساكن به و الذي لا يجعلنا نتذوق النكهة الأخيرة من الحلم ، كم من قبرٍ سيضم أمانينا ؟ وهل سيتمكن دود الأرض من تَحليل كافة جزيئاتها ؟
الحب إجمالاً يُشبه لعبة شدّ الحبل ، يجر آدم شوقه برفق ، و يستحث حواء لأن تُشاركه اللعب ، و تبدأ الإثارة فيما بينهما ، كلاً يريد إثبات وجوده لتستمر حكاياتهما بالضحكات المتناثرة في تلك الأجواء ..
و بعد حينٍ من الزمن ..
تتساوى قوّة الأشواق ، ليستقر الحبل في منتصف حبهما ، و يرضيا بتلك القسمة في بينهما ،
لم يكن الحبل جاداً بيني وبين كريستينا ، كانت تحاول أن تربطه بشيءٍ ما بجسدي ، و لم أشعر بهِ إلا مؤخراً ..
كانت تلك المكالمة هي الميثاق الذي استمسكَ بعروتي الوثقى ،
و أخذت بكلي إلى قلبها ،
لم يكن الأمر سهلاً ، فبدايتي كانت شبه حمقاء ، و لم أكن قادراً على توزيع مشاعري بالشكل الذي ينبغي أن تظهر به . في ذلك الوقت ، شعرت بأن الخوف قد دبَّ بقلبك ، و صناعتي لذلك الضجيج المدّوي من حولك لم يكن إلا ناتجاً من معادلات تهوري .
عملية جمعي لما بين قوسيّ مشاعرك تمّت قبل ضربهما ، و هذا ما أدّى إلى بعض الفوضى ، و ظهور بعض النتائج عكس حقيقتها ، و على ذلك وُجِد خوفك الذي أسعى جاهداً لأن أزيله من أعماق جذوره ، و أن أجمع حُسن الرجال في جسدي الذي احَّبكِ ، و أصبح خياركِ الدائم في مشاعرك الرقيقة ..
حُبكِ أصبح شرياناً ثالثاً في قلبي ، إذ تتعاطى خلاياه كافة أحاسيسك ذهاباً و إياباً ، و يحمل بين أنابيبهِ كل تلك المشاعر اللذيذة التي تنعش فوضى حواسي ، حبكِ هو القادر على إعادة تهيئتي من جديد ، و هو الذي يأخذني إلى عالمكِ المليء بالألوان و الرذاذ ..
المُقتحم كما يُعَّرفه الناس ، هو ذلك السيئ الذي يتجاوز حقوق غيرهِ بغض النظر عن الأهداف المرجوّة من فعلته ..
و الاقتحام بنظري هو الحياة ، خصوصاً ذلك المختبئ خلف الأحاسيس البشرية ..
هل تُدركي ما حجم الاقتحام الذي أقدَمتُ عليه معكِ ؟
هذا الاقتحام أشبه بعاصفةٍ هوجاء ضربت ساحل لم يتذوق طعمَ فيضان ، ذلك الشُعور الذي يخلق الفوضى من قلب الأمان ، من يصّدق أن هذا البحر الهادئ قام بكل ذلك ؟
ما زلت أشعر بثِقل كاهلي من هذا الحب ، كيف لقلبي المرهف أن يجمع ما بين حُبين مختلفين بآنٍ واحد ؟
يقول شوبنهاور : ” كل مآسينا تقريبا تنبع من صلاتنا بالآخرين ” ..
أنا الذي أصارع اليأس و المآسي جرّاء معرفتي بكما ، و أعاني من الفوضى التي بلّلت كل رداء في خزينة حياتي. كان لابد لي من حقيقة سامية ترتقي فوق كل كذبة ، كالشمس مثلاً ، فهي تجّفف كل بللٍ بلا مُقابل و تسعى لأن تُنير كل زاوية بهذا الكون الفسيح ، و ترحل باتزان عظيم لتتّزن أجسادنا بدورة حياتها ..
لقراءة الرواية من جُزءها الأول .. اضغط هنا