شارع برايندلي 2000 م .

نهضت من سريرها ، و أخذت من ذلك المقعد وسيلة لتجلس و تربط شعرها المتناثر المبّلل بالماء ، عيناها شبه مغلقة بعد أن سرق النوم بعضاً منها ، ابتسامة هادئة تمّررها لي وسط نُور الصباح الباكر ، لا يبدو على وجهها الكثير من الفرح ، تنظر للمرآة بكل برود و هي تسّرح ما تبقى من شعرها الذي يُغطي نصف ظهرها ، تأخذ بيُمناها جزءاً منه ، و تقوم بيُسراها بربط ما كان بيدها الأخرى ، تكّرر ذات الخطوات بالجُزء الآخر حتى تصنع ضفيرتين بريئتين مثلها
- تبدين جميلة بتلك الضفيرة يا آشلي رغم عدم إجادتك التامة لها .
- الأشياء الجميلة لا تُصبح بذات الجمال إن تحّلى بها شخص أجمل يا جاك .
ثقتها بنفسها سخيفة في أحيانٍ كثيرة ، و أفعالها تضعني في حيرة طويلة أمام نظراتها البلهاء ، كيف لهذا الجمال الملائكي أن يكون غبياً ؟ قفزت بجواري على السرير و نامت على كتفي العاري ، لم تكن ملابس نومي ساترة كما ينبغي ، قبّلت تلك العظمة البارزة منه و أخذت تهمس كمدفئة شتاء هاربة من فصل الربيع ..
- سنذهب إلى التسوق هذا اليوم ، كان هذا وعدك لي بالأمس جاكي..
- أشعر بالتعب ، لنؤجل هذا الأمر لوقتٍ لاحق..
- أرجوك أرجوك ، أريد شراء بعض الأشياء المهمة لاستقبال صديقاتي في منزلنا اليوم .
- سنذهب إذاً
ما أجملها و هي تُصر على رغباتها ، هي كطفلة تم نزع قطعة حلوى منها ، و ترجو مُنتزعها أن يقوم بإعطائها ما قام بالاستيلاء عليه ، آشلي عبارة عن مشروع طفلة نضجت و بقِي أساسها كما هو ، نبضات قلبها هي نفس النبضات قبل عشرين سنة مضت ، أنثى يافعة بقلب طفلة ، فتاة ناضجة بفؤاد صغيرة حالمة ، ملاكٌ فاتن بصورة بشر .
كلّ طرقك مُهيأة لاستقبال حبي بطريقةٍ ملكية ، تفرشي الطريق بالأحمر ، و تنثري الورد على جنباته ، و تضعي في نهاية ذلك الدرب قلبكِ لينتظرني بكل شغف ، أراكِ تصنعي بين ابتسامةٍ و أخرى الكثير من الدروب الفرعية من خط حبكِ الأوحد ، تُظهري لي بأفعالك كل الإشارات المرورية التي تسمح لي بتجاوز كل حائط بيننا ، و أظل مندهشاً منها و أرّدد في نفسي طويلاً : ما هي خطوتي القادمة ؟
برشاقة ملفتة ، انتقلت إلى الحمام ، و تناولت معها علبة ماكياج ، وقفت أمام المرآة ، جمعت بيديها بعض الماء ، و نثرته بطريقة انسيابية على الحوض ، و أخذت بمسح ملامحها بما هرب بين مسامات كفها الصغير ، تُمسك بأصبع نحيل ذو نهاية قُطنية ، و تبدأ بإضافة لون داكن فوق جفنها الأيسر ، تُغمض عينيها بسرعة ، و تضع فوق الجفن الآخر ذات اللون و لكن بحذر شديد ، عيناها ترتجفان بخوف غير مبّرر ، يبدو أن هذا الأمر طبيعياً حين يتم وضع هذا النوع من المساحيق النسائية .
قميصها لم يكن كافياً لإخفاء ساقيها ، بل و كان يعرض بدايات فخذيها المنتفخان ، وزنها لم يكن زائداً ، و رشاقتها كفيلة لأن تمحي كُل صُور الترهلات في جسدها ، الجو بارد الآن ، و رداءها لم يكن داكناً بما يكفي ليُخفي تهّيج رمّانتيها ، لا أصدق بأن صدرها الصغير هذا يحمل هذا الحجم البارز ، هذا البرد قادر على أن يهّيج الكثير من الأحاسيس ليجّسد حقيقة الدفء القاطن بنا .
- آشلي ، يجب أن نذهب الآن لأضعكِ في السوق قبل مجيئه !
- حسناً ، سألحق بكَ الآن ،
* * * * *
ذات صباح ، قُمت باستغلال لحظة ذهاب زوجها للعمل ، و لحظة غيابي عنه ، ذهبت إلى منزلها البعيد عن منزلي ، و كان شوقي في سدرة منتهاه ، لقد أخذت عذراً طبياً لأغيب عنهم و أكون حاضراً معكِ ، كان منزلها مُطلاً على شارع ضيق لا يتسع إلا لمركبة واحدة ،كان حفيف الشجر يلّحن موسيقى باذخة على مسرح ذلك الشارع ، و تغريد العصافير يصنع بهجة الصباح و يرسم ابتسامة شابة مع إطلالة شمس جديدة ..
إنها الثامنة و الربع ، شارع برايندلي خالي تماماً و كأن الطريق يحيك لي ثوب الطمأنينة و أنا قادم إليكِ ، لا تستغربي خوفي من زوجك ، فأنا لا أعلم كيف رضيتِ بتقبيله في تلك الكنيسة ! هل اختفى رجال الكون حينها أم أن جثتهِ أوهمتكِ بأنه الوحيد في هذا العالم ؟ كم أكرهه كثيراً ، لم أرى بحياتي رئيساً بهذا القدر من السوء ، أشك بأنكِ تُعاني من مرضٍ عقلي في عام 98 ، هل كان تشجعيكِ للمنتخب بكأس العالم مجنوناً لهذا الحد حتى أفقدكِ الصواب ؟ لم يكن هدف ديفيد بيكهام بتلك الروعة أمام كولومبيا ، و لم تكن إجازة نهاية الأسبوع التي أُقيمت بها المُباراة حافلة بالكثير من الأحداث .
لقد تزوجتِ به بعد أربعة أيام فقط ، في تلك الليلة التي هُزمنا بها من الأرجنتين ، يا لهذا البؤس الذي سيحل هنا في مانشستر ، الجميع هنا حزين عداكما ، لقد كنتما برفقة منزل جديد و أثاث لم يمسسه جسدٌ قط ، تتبادلان القُبلات بنهم فوق السرير الجديد ، و تصنعا من كل لمسة الكثير من الحكايات ، و تشربا خمراً باهض الثمن كتقدير لهذه الليلة العاطفية ، هل يُعقل بأن نال أندرسون على كل هذا منكِ ؟ سحقاً ، أريد أن أنسى كل هذا .
صعدت الدرج المُؤدي لمنزلكِ ، وجدت الباب شبه مُغلق كما اتفقنا ، لا يمنعني من الدُخول إليكِ سوى دفعهِ للأمام فقط ، سأكون حريصاً على القيام بذلك دون أنّى ضجيج ، و أغلق الباب دون أن تشعري بأن هنالك شخصاً ما قد دلف إلى داركِ في هذه الساعة المُبكرة من الصباح .
الظلام حالكٌ هنا ، نُور الشمس الهارب من تلك النافذة هو وسيلتي للسير في ردهات هذا المنزل الصغير ، بدأت بالبحث عنكِ بخلسة وسط هذه التحف الثمينة حتى وجدتكِ تُمارسي عادتكِ الصباحية ، تأخذي حماماً دافئاً قبل أن تُباشري عملكِ المنزلي ، نظرت إليكِ من ثقب الباب لأستمتع بشيءٍ لا أراه دائماً ، جسد عاري تماماً ، و شعر ممتد لأقصى طول ممكن على استقامة ظهركِ ، و ماء يستبيح كل منطقة بجسدك ليمر من خلالها .
كّورت شفتيّ و أدخلتها من ذلك الثقب ، قُلت ” واو ” بصوتٍ خافت و لم تسمعي بسبب الماء المتساقط بغزارة على البانيو ، أخذت برفع معّدل تردد صوتي حتى ألتفتِ إلى الباب لتجدي شفاه مكّورة تتلصص عليكِ ، ابتسمتِ بخجل لذيذ و اكتفيت بالاختباء خلف ستارة تصنع ظلك بالتعاون مع نور النافذة خلفكِ . في الحقيقة، كان منظركِ حينها مثيراً لحدٍ كبير ، أعلم بأنكِ قُمتِ بذلك عمداً و كان ذلك من ضمن تخطيط مُسبق لكِ .
نُمت على السرير ، ذهبت إلى الهاتف لأتصل على مكتب أندرسون ، أخذت برصف عنوان الشركة من خلال أرقام مبعثرة ، وجدت رداً يُفيد بأن السّيد مشغول و لن يُجيب على الهاتف إلا في المساء ، كلامٌ كهذا يعني بأني سأحصل على ساعات إضافية مع زوجته ، عفواً ، حبيبتي ، لن أرحل من هنا إلا في المساء . لم أُكمل حديثي الباطني حتى أتت آشلي لتُقاطعه و هي تحتضنني من الخلف ..
- على غير عادتك لم تكن كسولاً حبيبي ..
أخذت بضم يدها الدافئة بيدي الباردة ..
و كأننا نصنع جُغرافية تيّار عاطفي ..
- كان شوقي لكِ بمثابة ساعات إضافية لنومي المتأخر مساء أمس ، كانت كل أفكاري تُؤدي إليكِ وهذا ما جعلني أسلك الدرب الأكثر اختصاراً ..
- هل سمحَ لك أندرسون بأخذ إجازة لهذا اليوم ؟
- إنها إجازة اضطرارية ، العذر الطبي ما زال مطوياً في محفظتي ، أو ربما في سيارتي ، لا أذكر ، أغمضي عينيكِ و هاتِ يدكِ اليمنى .. لديّ مُفاجئه لكِ ..
مدّت يدها ، أمسكت بإصبعها الذي يستقبل الخاتم بكل صدر رحب ، و أخذت بإدخاله بهدوء لكي تشعر كل خليّة به عن حبي لكِ ، أركنه في آخر إصبعك لأغلق كل الطرق المؤدية لعمقك ، و أحمل كفّكِ لأقبل الإصبع و الخاتم بآنٍ واحد و أسرق نظرة دافئة لعينيكِ ..
- أحبكِ يا آشلي ..
كلمتي زيّنت الكثير من الحقول بالياسمين ، قراري شكّل قوالب حُبٍ راسخة في قلبينا كعاشقين متّيمين ، نحن الآن ثلاثة ، أنا و أنتِ و الحب ، لا رابع لنا ، أحتاج إلى تمزيق ورقة زواجكِ مع أندرسون لأبدأ معكِ صفحةً جديدة بيضاء كبشرتكِ ، استقبالكِ الأنيق لحبي كان مدهشاً ، كنتِ تكنّي الكثير من المشاعر لي ، بأول شرارة كامنة فجّرتِ ينابيعاً من الحنان يا آشلي ، و كُنت كعَطِش انغمس في صفاء مياه غديرك ..
* * * * *
الجو مُمطر ، كُل الطرق المؤدية لمنزل آشلي مُغلقة ، تعطّلت المركبة ، و لم أستطع أن أُكمل القيادة و فضّلت إكمال الطريق سيراً على أقدامي ، يبعد شارع ريجنت عن منزلها الكثير من الكيلومترات ، ملابسي تبّللت تماماً و الضباب تمّكن من حجب ملامح طريقي ، أحتاج إلى زاوية صغيرة لأرتاح بها ، سأحط رحالي هنالك ، بجوار شجرة ضخمة ، أركز ظهري على ساقها ، و أستظل تحت أوراقها الكبيرة من المطر ، أفرد قدميّ للأمام و أتمعن بالقطرات المنسلّة بين الأوراق ، منظرها البديع يخلق الكثير من الأسئلة .
هذا المطر ليس عادياً ، فقُدومه يعني الكثير لهذا الرصيف ، الأزهار تُغني و التربة ترقص على أنغام ايقاعهِ ، إنه يصنع كل هذا الاخضرار المُحيط من حولي ، و يعطي هذا التوت المنسدل لذّته ، كم أغبط النباتات ، لأنها تستطيع أن تعتمد على الماء كمصدر لحياتها ، و الرب لن ينساها بالتأكيد ، هو راضٍ عنها ، فالسماء تُمطر !
هنالك مجموعة أشخاص يسيرون بالضفة الأخرى ، هل هذا الوقت صالح لرياضة المشي ؟ نهضت و قُمت بتتبعهم ، إنهم يدخلون إلى الكنيسة ، البعض يبكي و الآخر يجّسد الخوف بكُل صُوره ، يبدو أنهم مجموعة مرضى لا يملكون في حياتهم سوى هذا المبنى المصّمم لكل مسيحي ، يا إلهي ! وجدت هنالك شيئاً غريباً ، آشلي كانت من ضمن أولئك المرضى – حسب اعتقادي – ، ملامحها تشي بالبكاء ، دقّقت كثيراً حتى تأكدت بأنها هي ، لماذا تفعل هذا يا تُرى ؟
عُدت إلى ذات الشجرة و غرست رأسي بساقها لأبكي ، كيف لآشلي أن تأتي لهنا بوقتٍ عصيبٍ كهذا ؟ هل كُنت ذنباً يستحق بأن تُعاني منه بهذه الليلة الماطرة ؟ هل ستشتكيني لذلك القسيس و تبكي عنده طويلاً ؟ هل ستشعر بإرضاء ضميرها و هي تفعل ذلك ؟ إنها ترتدي الأسود ، و تمشي في ليلة ماطرة أغرقت شوارع مانشستر ، ولا تأبه تماماً لأي مشكلة قد تُصادفها بعد أن قرّرت المجيء ، فهي لا تخاف على حياتها من سيارة قد تنزلق ، أو رعد يُصيب شجرة بجوارها وهي تعبر من ضفة لأخرى ، قد يكون ذنبي أعظم من اكتراثها لكل ذلك ، فوجودي في حياتها أصبح ذنباً . لأكن بالصورة بشكلٍ أكبر ، وجودي في حياتها بعدما أعلنت عليها الحب أصبح ذنباً ، و أيَّ ذنبٍ هذا ! إنه أقوى من كل التيارات التي قد يُحدثها المطر في البحر ، ببساطة ، تأتي لتبحث عن جُرعة روحية بسبب ذنبها الكبير أنا ، و تنبش عن المغفرة بسبب خطيئتي المرتكبة في إطار حدودها .
عملها هذا أفسد كل مخططاتي ، لقد قتلت كل الأماني البريئة ، نحن بالكاد لم نبدأ بكتابة أول سطر ، و الآن أرى نفسي في آخر صفحة من كتيّبنا ، أنا أقف على حافة سطرنا الأخير يا آشلي ، ليس هنالك ما يستحق أن أضعه هنا إلا نقطة سوداء كبيرة كعملك ، أنتِ منحتني الأمان بحبك ، لم تكن نظراتكِ تُخفي كل هذه المشاهد التي رأيتها قبل سويعات من الآن ، لو تمكنت من قراءة و لو عنوان بسيط عن هذا السيناريو الذي أعيشه لتركتكِ أبدا ، أشعر بإجهادٍ يفتك ما تبقى لي من قوة ، لا أملك حيلةً سوى الوقوف ، و حتى هذا بدأ بالاختفاء شيئاً فشيئاً ، سقوطي أصبح وشيكاً جداً ، أرض مبللة ، و طين يصنع آثار أقدامي في مزرعة صغيرة أقمت بها حزني الأول ،
طعم الماء يصبح مريراً إن صُوحب بالطين ، تلك السقطة مرغت ما تبقى من ملامحي بالتراب ، يا الله ، أشعر بكل الأحاسيس الآن ، مطر السماء تشبّع بطين الأرض ، يبدو أن لعنة السماء قد حلّت بي ، يأتي الماء ليصنع الطين ، و أكون نتاج اتحادهما المزري .
* * * * *
كل الأشياء لا تبدو على ما يُرام ، منزلي لم يعد آمناً ، حتى العمل أصبح كئيباً لا يُطاق ، رئيسي أندرسون ينتصر في كل شيء ، قراراته هي الأعلى دائماً ، و لعلّ قراره الأخير بحرف مسار زوجته التائبة أصابني في مقتل ، أنا حزين بما يكفي لأرى كل الأشياء سوداء يا آشلي ، الألوان فقدت رقّة بريقها من حولي ، زرقة السماء اختلطت بالرماد ، و حضورك أصبح كعدمه حين أختلس النظر إليكِ و أنتِ تذهبي لتشتري أغراضك ، لا أخفيكِ ، حبي لكِ ساعدني على إتمام توبتك الأخيرة من ذنبي ، لقد قطعت كافة وسائل الاتصالات فيما بيننا ، و تركتكِ حرةً أبيّة لتفعلي ما يُمليه عليكِ ضميرك ، أوقدي شموع حياتك و سيري بالدرب الأكثر وضوح لعينيكِ .
قررت أن أسكن بمكانٍ آخر ، زاوية لن يراها أحد ، بحثٌ طويل أخذني إلى منطقة ليست ببعيدة عن ريجينت ، شارع انتكاستي الأولى و دموعي المقتولة ، القدر يأخذني لذات المكان لكن بصورة أكثر احتراماً من السابق ، كنتُ أبكي في مزرعة صغيرة كمحصلة خيانة ، و أمسيتُ الآن في منزل أنيق يحترم رغباتي ، مسبح صغير يسلخ ذنوب يومي ، و ملعب تنس لأستمتع باللعب مع الأصدقاء .
تكاليف هذا المنزل باهظة ، صرف هذا الكم الهائل من الباوندات يجعلني قاب قوسين أو أدنى من الفقر ، هذا الترف يبدو مؤقتاً إن وضعت بالحُسبان إمكانية طرد أندرسون لي بأي لحظة ، نظراته تخبئ خبر معرفته بعلاقتي السابقة مع آشلي ، و كأقل إجراء ممكن ، بإمكانه أن يطردني من الشركة كانتقام بسيط لما ارتكبته بحقه ، فقد جنيت على لحظاته الحميمة و سرقت من شفتيها قبلات ليست من حقي شرعاً بالرغم من موافقتها التامة عليها ، بإمكان آشلي أن تُكمل مسيرة توبتها و تعترف لزوجها بكل شيء ، بكل شيء .
أشعر بألم فقدان والديّ ، أمي الراحلة وسط كومة حديد و أبي الذي خرج من البلاد ولم يعد حتى الآن ، منذ الوهلة الأولى لصدمتي العاطفية الجديدة ، شعرت بأني أحتاج إلى أم تستقطب حواسي المسروقة من آشلي ، و أب يُعيد الثقة لحنجرتي المبحوحة ، لابد من الحُصول على مشاعري المسلوبة بأيّ ثمن .
بدأت بولوج عالم النوادي الليلية ، أصبحت أتعاطى الفودكا بكثرة ، لستُ وضيعاً إلى هذا الحد و أنا أرتكب تلك الأشياء ، أنا أشرب لأختبئ وسط خيالي ، و أهرب من الواقع المرير الذي أتعايشه مع فقدان أعزّ ما أملك ، أبحث عن أنثى ، أو عاهرة لا يُهم ، أتمايل مع رقصاتها و أتلذذ بنعيم جسدها ، أمارس الجنس معها و أصل إلى قمّة نشوتي ، أريد أن أجعل تفكيري متمحوراً بكيفية إمتاعها قدر المُستطاع لتمّتعني أكثر و أكثر ، كم سيبدو يومي طويلاً و أنا أنتقل من لذّة لأخرى ، لا يُوجد من يشد وثاقي بعهد أو حب و أنا أمارس الجنس مع عدّة جميلات ، كل ما أعرفه هو أن النادل هنا يحّقق لي كل رغباتي الصغيرة و بمبالغ معقولة بالنسبة لمرّتبي .
تُدهشني تلك التكتلات البشرية على طاولتي ، فتيات يأتين من كل صوب ، جميلة لا تملك جسداً مثيراً ، أو قبيحة لها جسد فاتن ، أو أنثى تملك كل ذلك ، لكن للأسف ، أمثالهنّ محجوزات لكبار القوم في مانشستر ، نحن الفُقراء يجب أن نُؤمن بحظنا ، و نرضى بالموجود في هذا البار ، شُكراً للظلام ، هو الوحيد القادر برفقة كأس على أن يجعل جميع النسوة سواء ، هذا الظلام الذي يربطه المثقفون بالجهل ، و يحيكوا له أشدّ الأمثال سميّة ، هو المتمكن من لملمة شمل إنسان يائس خذلته ظروف الحياة ، بضعة باوندات بإمكانها أن تنقلكَ من الواقع إلى الخيال ، لتستطيع أن تحقق به كل أحلامك ، و تصنع من اليأسِ فرحةً طافحة ، ثمّ تنام طويلاً طويلاً دون أن تشعر بلحظة ألم تغتال واقعك الشاحب .
القانون في بريطانيا يقف معك إن ارتكبت جُرماً و أنتَ ثمل ، تحديداً حينما تُثير نزاع كبير وسط البار لتحاول أن تنال رضا إحداهن ، هنالك فتاة تُجيد الرقص ، صغيرة بالعُمر و تُناسب طموحات مزاجي الحاد ، حاولت التودد لها بعدّة طرق ، اقتربت أكثر من المسرح لأشاهد تفاصيلها عن قُرب ، ابتسم لها بلذّة منتشي ، و أهمس لها بكلمات مترنحة مثلي لا تتزن على معنى واضح ، حقيقةً ، كان تفاعلها معي مثيراً ، أمرٌ كهذا دفعني لأن أتخذ خُطوة أكثر جُرأة حين انتهت من العرض ، أمسكت معصمها و بدأت بالتحديق إلى لون عينيها ، أو ربما لون عدساتها ، لستُ أدري ، أرى في تلك العينين منبعاً لنهر التايمز ، زُرقتها تشي بجمال لم أراه سوى بعينيّ آشلي اللعينة ، التأمل ممتع في عينينٍ جميلتين كهذه ، لكن لسوء حظي العاثر ! رأيت رجلاً مُقبلاً من هنالك ، ضخم الجثة و عينيه ترسم الشر بكل ألوانه ، أقترب و نزع يدي من معصمها و بدأ ينهال عليّ بالضرب حتى فقدت الوعي ، تماماً .
* * * * *
فتحت عينيّ ببطء ، و سحبت ذلك الغطاء الأخضر منها . هذا المكان نظيف ، رائحته عطِره و مرّتب بشكلٍ أنيق ، ما هذه البقعة الطاهرة ؟ و من أحضرني إلى هنا ؟ طُرِقَ الباب بهدوء ، بعد بُرهة ، دخلت أنثى جميلة تكتسي البياض ، ذات شعرٍ طويلٍ أشقر و ملامح اسكتلندية ..
- كيف حالك الآن سيدي جاك ؟ هل أنتَ على ما يرام ؟
- أنا بخير ، من أنتِ ؟
أخذَت بالنظر إلى ذلك المحلول ، و بطريقةٍ ما ، أدخلته بتلك الإبرة و طلبت مني الاستلقاء بهدوء على معدتي .. و قالت لي ..
- أنتَ مُصاب بعدة طعنات في جانبكَ الأيسر ، و هنالك كُسر بسيط في يدك اليُمنى ، احذر أثناء قيامك بهذا فقد نزفت كثيراً كثيراً .
بينما تقوم بغرز تلك الإبرة وسط آهات ألمي قُلت لها ..
- مُنذ متى و أنا هنا ؟
تفادت إجابتي و رحلت برفقة أدواتها من حيث أتت ، و بقيت أتحسس موضع تلك الإبرة بأطراف أصابعي الباردة ، يبدو أن هنالك خطب ما ، أنا لا أدرك ماذا يحصل لي تحديداً بهذا المكان ! أشعر بأن جسدي مُنهك تماماً ، قدمي معّلقة بزاوية أربعينية و عيني اليُمنى منتفخة قليلاً بشكلٍ يحجب بعض زوايا الرؤيا لديّ .
هذا الألم مقّزز ، يصنع في ملامحي شُحوباً عميقة ، الإحساس بالعجز يُقحم في رأسي فكرة جادة للانتحار ، هذه الحياة وُجدت لكي نتحرك و نعمل في ميادينها ، و جلوسي في مكانٍ واحد يعني أن هنالك أفكار سوداء تحوم حول مُخيلتي باستمرار ، كالقفز من الطابق العاشر على سبيل المثال ، أو غرز إبرة مجّوفة في وريدي ، و ربما تناول جُرعة زائدة من هذه الأدوية المُنتشرة على تلك الطاولة ، نُور الشمس يختبئ خلف هذه الستارة ليُعلن عليّ الظلام ، هذه النافذة لا تُقحم سوى غروبها الكئيب و كأنها تُشير إلى نهايتي على طريقتها الخاصة .
هذا الغروب يسرق كل لحظة وضوح ، و يُبرز رمادية ظلامٍ متوازن على الخط الأسود ، لتأتي النجوم و تُنذر ببعض الفرج ، و يستدير القمر ليزيد من إصرار النجوم على خلق جو تأملي للمستقبل ، للحياة ، و ربما لنفسي التي تتوالى عليها المصائب من كل صوب .
طُرقَ الباب و تم دفعه على مهل ، تظاهرتُ بالنوم هرباً من أسئلة تلك الممرضة الكئيبة التي تقوم بإجراءات عملها بصمتٍ مُطبق ، أغمضت عينيّ و كأني بسُباتٍ شتوي عميق وسط هذه الأجواء الباردة ، و مع ذلك الهدوء الرهيب ، كان هنالك صوت حذاء عالي ، يتحرك بانسيابية لم ألتمسها من تلك الممرضة على مدى ثلاثة أيام ، و رائحة عطر فوّاحة ترامت بكل أطراف غرفتي ، ينتابني فُضول لمعرفة من تذكرني وسط وحدتي الطويلة ، لكني سأظل مُلزماً على إتمام كذبتي ما دُمت خطوت الخطوة الأولى بها .
هنالك أنثى تبكي بجواري ، همساتها الممزوجة بالدموع غير واضحة ، لا أدري ماذا تقول ، أقترب ذلك الصوت من أذني الجريحة و بدا واضحاً هذه المرّة ..
- جاكي .. جاكي .. ؟!
و مع ارتفاع معّدل فضولي ، استدرت ببطء و نظرت إلى عينيها ، لقد كانت مفاجأة غير متوقعة أبدا ، أنا الغارق وحدي في شوارع و أحياء هذه المدينة ، تأتيني هذه المحّملة بالأوجاع من مكانٍ بعيد ، ليس سهلاً أن تخرج من لندن في هذه الفترة من السنة ، لكنها فضّلت القُدوم لترى ماذا حلّ بي .. قبّلتني بشوق و قلت لها بلهفة ..
- مضى زمنٌ طويل يا كريستينا ، ظُهورك بهذه الهيئة يُشير إلى أنكِ تخّطيتِ محنتكِ المرضية يا جميلتي ، كيفَ تمّكنتِ من الحّد منه ؟
- هذا المرض أشبه بورقة خريف باهتة يا جاكي ، يُنسيكَ ملامح الربيع البهيّة و أمطار الشتاء الباردة و حتّى قسوة الصيف في لندن ، أفجعني خبر غيبوبتكَ التي استمرت لشهرٍ كامل ، كيف حالك الآن؟
بدأتُ بإبراز عينيّ التي اكتست الرهبة و عضضت على شفتي السفلى بقسوة ..
- شهرٌ كامل ؟ أيُعقل هذا ؟
جلست بجواري و أودعت رأسي على صدرها و بدأت بالبُكاء ..
- لا تقلق أرجوك ، كان هنالك ارتجاجاً قوياً في مخك ، كُنت في وضع لا يُحسد عليه حين ضُربت من أولئك السفلة ، و أنا أقوم الآن بمُقاضاتهم منذ نصف شهر ، و ما زالت القضية معّلقة و لم نصل للجلسة الأخيرة التي تحّدد نوع عقوبتهم .
- لا أذكر شيئاً من ذلك ، لكن مُنذ متى أصبحتِ مُحامية ؟
وضعت رأسي على الوسّادة و أخرجت من حقيبتها أحمر شفاه و بدأت برسمهِ على حدود شفاهها البارزة ، كانت تحّدق للمرآة بطريقة غريبة و كأنها تراها لأول مرّة ..
- هذه الحياة تعّلمنا الكثير يا جاك ، و تأخذنا إلى حيث لا نحتسب ، أنا لم أتوقع أن أكون في يومٍ ما مُحامية تحمل بين طيّات ملفاتها قضايا المُنتكسين في هذه البلاد الكبيرة ، لقد درست القانون حتى ارتويت يا صديقي .
هذه المدة الطويلة لم تكن كافية لتُغّير من أطباع كريستينا ، لُغتها الحادة ، شعرها القصير ، تدخينها بشراهة ، المرض أجبرها على اتخاذ نمط اللامبالاة و السير على روتين مُحّدد حتى تمكنت من تجاوز محنته ، و ها هي تظهر بشكلٍ مُغاير ، أصبحت مهتمّة بأحمر الشفاه ، و أصبح لها طُرقها الخاصة في إمساك السيجار على طُرق المافيا ، وتبدو أكثر وحشية من السابق و أصبح بإمكانها أن تضرب رجلاً ! هذا المرض أكسبها قوة الرجال بالتحّمل و صبر الصيّاد في انتظاره للسمك . نظرت إليّ و قالت ..
-أين هي خليلتك؟ رسائلك الالكترونية عنها زادتني شوقاً لأراها؟ أظنها آشلي أليس كذلك جاكي؟
انتابني صمتٌ رهيب ، و توغلت بي الكثير من الأحاسيس الضارة ، لماذا تجّددي ذكراها يا كريستي في أزمتي الصحية هذه ؟ لماذا تُعيدي إشعال الشمعة التي أطفأها القدر على أيدي العصابة تلك ؟ قُلت ببلاهة ..
- من هي آشلي ؟
* * * * *
ما أكبر هذه الحياة ، و ما أغرب قُرعة الله بها ، لا يوجد هنالك من يدري أين سيُولد ، وكيف قُدِّر له أن يعيش ، أفقيرٌ سيكون أم غني ؟ بأي دولةٍ سيهبط من السماء ؟ بأيّ نُطفةٍ ستختبئ روحه لتكبر ؟ و من ستُشرف على رعاية ابتسامتهِ الأولى ؟ أمٌ ودود أم عاهرةٌ جحود ؟ نحن نتاج إتصال روحين ، و لا تأخذ نُطفنا إلا ما تشتهي من صفات أباءنا و أمهاتنا ، و تتجسّد بنا حين نكبر .
لماذا قدِّر لآشلي أن تنام بحضن رجلٍ غيري ؟ هل يعلم الله بأنها لا تُناسبني ؟ أم أن حظي المريض لا يود أن يُشفى ؟ لم يعد هنالك ما أستند عليه ، رحيلها أفقدني توازني و أنهك جسدي المتعب ، إني أقف على شفير الموت ، بين خطّين حادين ، أرقب الدنيا التي تحتضن دفئك ، و أتأمل ما وراء الموت لعّلي أجد آشلي جديدة هنالك .
لم يعد سِربال الإنتظار مُجدياً يا آشلي ، لقد تمّزق بما يكفي بغيابك و لم يعد ساتراً لجروحي ، تأملت عطفكِ على فقري ، و لم أجد ما أُسندت آمالي عليه . لم أتمكن من تعليقكِ على مشجب أحلامي ، ولا حتّى على جِدار أمنياتي ، أنتِ كنسمة قدرٍ مرّت بجواري و أستقرت في مكانٍ بعيدٍ يصعب تحديده .
عُدت إلى منزلي منذ عشرون يوماً ، و مازلت أردم كلّ ما يتعلق بكِ ، صُوركِ التي تختبئ بين أدراجي ، سواركِ الذهبي الذي نسيتهِ يوماً و لم تعودي لأخذه ، دُبكِ ذو الفرو الناعم و الذي كان يُشاطرني النوم في أحضانك ، أشعلت سيجارتي الرخيصة و بدأتُ بتدخينها ، أمسك صورتكِ و أتأمل في نفسي ; هل ما زلتِ تبتسمي بهذا الشكل ؟ تنفستُ السيجارة بعُمق و وضعتُ مقدمتها بقسوة على أرنبة أنفكِ ، أخذت بالضغط عليها بقوة دائرية حتى اختبئ وجهكِ بين الرماد ، و رميت بقاياكِ وسط تلك المدفأة التي تجاورني .
في نادي Harvest الرياضي ، ذلك الذي أوقعني في شباك أنثى للمرة الأولى في حياتي ، كنتِ مِمن يُحافظ على لياقتهِ كثيراً . أذكر حينها أننا كنّا نؤدي تمارين اللياقة سوياً في نهاية الأسبوع مع المدّرب ديفيد ، و كنت أنتظر الفترة الصباحية بشوق لنؤديها معاً ، كان هنالك تمرين فاسق يَدّعي ديفيد بأنه يساعد على شد عضلات الظهر ، نضع أطراف أيدينا على نهايات أطراف أرجلنا لمدة دقيقتين ، هذه المجموعة من التمارين يجب أن تُؤدى بين شخصين متجاورين ، و كُنتُ جاركِ الذي ينتظر ذلك التمرين . أعترف حينها بأني شخص منحرف مع ساعات الصباح الأولى ، إذ تقومي بشد ظهركِ و تقومي بذات الحين بشد رغبتي لسرقة نظرة تأملية على ثدييكِ المتدلين كتفاحٍ هارب على غصن متهالك ، لا أشك أبداً بأن عطركِ المتسّلل إلى أنفي كان جرّاء التحامهما سوياً أثناء التمرين . لم يصدف أن اقتربت امرأة فاتنة مني إلى هذا الحد ، و لا أظن أنها تقصد اثارتي بقدر ما أنها تؤدي المطلوب منها فقط .
ومع انقضاء تلك التمارين ، ذهبنا للراحة ، و أصبحنا نمّرر لبعضنا الأحاديث بين فنجانيّ قهوتنا ، نتبادل الإبتسامات و الأمنيات الخاصة لفبراير . وجدنا أن أمنياتنا قريبة من بعضها البعض ، كالقفز المظلي وسط لندن ، و كالسُكنى في جزيرة نائية محفوفة بالشلالات ، و من هنا نشأت بذرة الإعجاب فيما بيننا ، و بدأت بالنمو مع المواعيد التي عزّزنا بها علاقتنا حتى أصبحت شجرة يانعة ، تُنتج الثمر .
استيقظت من نزوة ذكرياتي على رنين جرس منزلي الذي ملء رماد الماضي بألوان واقعي المرير ، يبدو أن كريستينا سبقت موعدنا بدقائق من مساء هذا اليوم . فتحتُ الباب لتدلف بعد تبادلنا لتحايا المساء . لقد أتخذت من ذلك الكرسي مقعداً لتلتقط أنفاسها المبعثرة جّراء صعودها للدَرج ، قُلت لها بنبرة ساخرة ..
- لقد كبرتِ يا جدتي ، و بالكاد تلتقطي أنفاسكِ .
ضحكت بصوتٍ هادئ و أردفت قائلة ..
- و لقد بدأت بالتخريف و النسيان قبلي أيها المنتكس .
أمسكتُ يدها بصمت و صعدنا إلى الدور العلوي ، لا أريد أن أرى أيَّ أنثى في هذا المجلس اللعين ! هذا المجلس شَهد بكافة أثاثه و أسماكه القاطنة بالحوض أول قُبلة تناولتها آشلي من شفتيّ حين كان مؤثثاً بمنزلي القديم ، هذه القُبلة راسخة في ذهني و لم يُذهبها فقداني النصفي لذاكرتي ، لقد كان الفاصل بين قُبلةٍ و أخرى هو النظر إلى السمك بجوارنا لنلتقط أنفاسنا المتوترة و نعاود بثّها بوتيرة متوازية تُشبع البرد الذي يحف شفتينا .
في الطابق الثاني ، طلبتُ من كريستينا بأن تأتي معي إلى المطبخ لنُجّهز شراباً دافئاً في هذا البرد ، و اقترحت عليّ بأن نصنع قهوة فرنسية لتمنحنا نشوة دفء ، و مزاج سلس بإمكانه ان ينتقل من حديثٍ لآخر دون أن يتوقف بإستراحة مُحارب ، و بينما أقوم بملء الماء لتسخينه ، قلت لها ..
- لماذا يخذلنا الحدس دائماً و نتصّور الخطأ في بداية كل الأمور ؟ لم أكن أتصور وقفتكِ بجواري طِوال هذه المدة يا كريستي !
أخرجت علكة من حقيبتها و بدأت بغرز أسنانها بها و كأنها تود أن تنقل الحديث لمجرى آخر ..
- لا يبقى بالجوار إلا الأثمن ، و كلَّ ما رحل مجّرد سحابة عابرة غير مأسوفٍ عليها ..
شربنا القهوة ، و تبادلنا الأحاديث حتى ساعات الصباح الأولى ، و حان وقت فيلم السهرة ..
- سنُشاهد فيلم A walk to remember ، يبدو جميلاً من غلافه ..
- لماذا لا نُشاهد فيلماً مُرعباً ؟
- لا أحبذ الأفلام المُرعبة في هذا الوقت ..
بدأت بالضَحك و أكَتفت بوصفي بالجبان ، أخرجت الـ DVD من داره و وضعته بمشّغل الأفلام ليبدأ العرض . الفشار جاهز و عصير الليمون بارد بما يكفي لأن يُكمل ساعتين دُون أن يُصبح حاراً .
( بعد ساعة من المُشاهدة )
و في أثناء مُشاهدتنا للفيلم ، تخّللت بين لقطاته قُبلات بين ابنة القسيس الجميلة المُحافظة و بين صديقها في المدرسة ، كم كان مُدهشاً هذا اللقاء الذي يصنع الحب دُون أدنى ميعاد ، وكم هو لذيذٌ أن تجتمع جاذبية الفقر بالغنى من خلال قوانين الحب الذي لم تكتشفها معادلات نيوتن ! وبينما اتأمل بأحداثه ، استدرت عن شمالي لأرى تذبذب عينيّ كريستينا بين موجتي النوم و الإستيقاظ ، تُحاول تارةً بأن تبقى مستيقظة حين تفرك عينيها بإصبعها ، و تحاول تارةً أخرى بأن تنام حين تسنُد رقبتها على الوسّادة خلفها ..
- كعادتك ، لا تشهدي أحداث الفيلم بالكامل و تُفّضلي أن تنسحبي في منتصفها ..
ألتفتت رقبتها صوبي و ابتسمت ابتسامة نائمة و أسندت رأسها على كتفي الأيسر ، هذا الشُعور يمزجني بين حاضرٍ لم أرسمه من قَبل و ماضٍ اندثر مع طمس ملامح آشلي الأخيرة ، رقبة كريستي وضعتني في موقفٍ لا يُحسد عليه ، هل أتابع أحداث الفيلم أم أتفّرغ لألملم قطع الماضي المتناثرة أم أكتفي بشم رائحة شعرها ؟
أذكر آشلي جيداً عندما كُنت اشاهد الأفلام برفقتها حين يكون زوجها على سفر ، كانت تُثرثر كثيراً حين تجد حدثاً لا يروق لها ، و كانت تبكي بوفاة بطل أو حبيبته ، أذكر قبلاتها الحارة مع نهاية الفيلم و كأنها تُحاكي أحداثه الأخيرة إن كان بنهاية سعيدة ، في المُقابل ، كانت تُحجم دمعتها عن الظهور في حال انفصال حبيب عن حبيبته بأيّ صُورةٍ كانت و تكتفي بالنوم على صدري ، لا أتذكر يوماً بأنها غفت على كتفي أثناء مُشاهدة فيلم ، أو حتّى أثناء سفرنا إلى هولندا بالقطار الممل كما تفعل كريستينا الآن !
هل تذكري يا آشلي قفزة روز من القارب لكي تعود إلى أحضان جاك في تايتنك ؟ هل تذكري حين أشتعل قلبكِ بالغيرة من فعلتها و قُلتِ بالحرف الواحد : لو كُنتَ مكانه لقفزت إلى قلبك مباشرةً ؟ أين أنتِ عن قلبي الآن ؟ هل كُنتِ تُحاكي أحداث الفيلم أيضاً و قُمتِ بإدراج ثرثرة في صفحتي الممتلئة بكِ ؟ أين قفزتكِ لتبحثي عن مقر سكني الجديد ؟ وماذا حدث بمنزلي القديم ؟ هل تعلمي بأني على قيد الحياة ؟ أنتِ لا تعلمي شيئاً أبداً .
و مع نهاية الفيلم ، أخذتُ بخفض معّدل صوت التلفاز ، و في أثناء ذلك تحّركت كريستينا و كأنها انتبهت لنهايته ، ابتسمت و أخذت برفع رأسها عن كتفي المخّدر إزاء نومها ، و قامت بتطويق يديها على عنقي ، و في أثناء نهوضها انتبهت لطعنتي المؤلمة و قامت بتقبيل كتفي ،
- ليتك تعلم حجم الدفء الذي منحه هذا الكتف لي ..
أندهشت من رقّة قوسي عينيها في سمائي ، اقتربت شيئاً فشيئاً حتى زرعت قُبلة طويلة نائمة بشفتي العُليا ، لأظل مستسلماً لكل ما تفعله تماماً ..
* * * * *
شهر ابريل عام 91 م
حملت حقيبتي على ظهري ، و أخذت بشق طريقي إلى المنزل على درّاجتي بعد ساعاتٍ جامعية رتيبة لهذا اليوم . منذ مدّة طويلة لم اشتهي قدوم إجازة نهاية الأسبوع لأنعم بالراحة ، و لأمارس بعض الشغب مع أصدقائي و صديقاتي بمُدن الألعاب الترفيهية التي لا تنتهي في لندن . دلفتُ إلى المنزل و قُمت بتعليق حقيبتي لأتلقّى ترحيباً كبيراً بقدر حبي لوالدتي مونيكا .
- كيف كان يومك بالجامعة يا بُني ؟
حضنتها بقوّة و أنا أرّدد كلمات الاشتياق لها ..
- كان جميلاً يا أمي ، كجمالي حين أكون بين أحضانك ..
أمي ، كم أحب أن أرى صُورتي في عينيها ، إنها مرآة حُبٍ طبيعية تنشأ من تكّون دموعها حين تشتاق إلي ، كيف لا و هي التي اعتنت بصُراخي المزعج حين كنتُ طفلاً و غدوت اليوم ناضجاً مُتحدثاً بفضلها و كرمها عّلي . هي تُؤدي دور الأب و الأم بآنٍ واحد ، أبي الذي غادر مع قوّات التحالف لتحرير الكويت ، و انقطعت أخباره تماماً و لا نعلم ماذا حصل له ، هل هو ميت الآن ؟ أم أنه يتعّرض لتعذيبٍ يُنهك جسده من قِبل العراقيين ؟ كم أشعر بثِقل فقده على قلب أمي و قلبي ، إني أشعر بمسؤولية المنزل الآن ، و أستشعر ألآم انتظارها على عتبات الليل الطويل . أُدرك جيداً أن الليل وحده لا يأتي بالأمنيات مهمّا علقنا آمالنا بنهاياته ، و لن تستطيع الشمس جلبها لنا و إن تأرجحت أنظارنا بنُورها في آنٍ واحد .
لقد اتفقنا أخيراً أنا و كريستينا بالجامعة على أن نذهب إلى مدينة الألعاب مساءً ، تمنيت كثيراً بأن أراها خارج الإطار الجامعي و كيف سيبدو شكلها دُون معطفها الفيزيائي الأبيض ، كيف ستكون تسريحة شعرها و ماذا سترتدي من ملابس نسائية فاتنة ؟ لقد صارحتها بعد الاتفاق بأني سأطبق قانون نيوتن الثالث بحذافيره في حال وجدت فعلاً يستحق ردّة فعلي تجاهها ، و حينها أكتفت بابتسامة خجولة ، و لم تكن جادة بما يُرضى غروري تجاه ما صارحتها به ..
( في العاشرة من مساء هذا اليوم )
- أين أنتِ يا كريستي ؟
- لنلتقي في شارع ويستبورن بعد 10 دقائق من الآن ، سأكون هنالك ..
وُجودي في لندن ، يعني وجودي في قلب أكبر صخب عالمي بشري ، أشعر بصعوبة القيادة وسط هذا الزحام في ويستبورن ، لندن تعج بضجيج كل قارة من قارات العالم ، فما أكثر الآسيويين و الأفريقيين بها ، إنهم يتلقون معاملة جيدة تكفي لأن يجعلوا من لندن مُستقراً لهم ، و وطناً يرزقهم بحياةٍ كريمة بعيداً عن الفساد الآسيوي و الفقر الأفريقي ، فآسيا الثريّة بالغالب تُعاني من تضخّم معدة كل مسؤول يقبع تحت سقف الحاكم ليتناول فضلاته التي توّفر له و لأحفاد أحفاده الحياة ، و يتشكّل الفقر الأفريقي من تجاهل الراعي لرعيته بحثاً عن رضا أوروبي أمريكي يوّفر الحماية اللازمة لاستمرار أنظمتهم على ذات السياق لأطول وقت ممكن تحت غطاءٍ يراه المواطن جميلاً و يراه الآخرون مجّرد قذارة ..
و أخيراً ، أنا بالشارع الذي سأقِل به كريستي لنذهب إلى ما خطّطنا له ، توقفت بجوار مطعم ايطالي يقّدم اسباغيتي ساخنة ، و متجر لبيع المجوهرات الثمينة . في أثناء انتظاري راودتني فكرة شراء سوار ذهبي يتزّين بيدي كريستينا ، سأبدو لطيفاً إن فاجأتها بهدية غير متوقعة لهذا اليوم ..
ركضت تجاه المتجر لأشتريه قبل قدومها .. و في لحظة دخولي له ، كنتُ بالكاد أقوم بتجميع كلماتي من التعب ..
- مرحباً ، أبحث عن سوار ذهبي يليق بفتاة جميلة و بسعر معقول يا صديقي ..
انتظرت لدقيقة حتى عاد ، و عرض عليّ مجموعة كبيرة و قُمت بالإشارة على سوارٍ منها ..
- تبلغ قيمته 75 باوند ..
- جميل ، خذ المبلغ و أعطني إياه ..
- ألا تُريد تغليفه ؟
التقطت السوار و ركضت ، و قُلت له بأثناء ركضي ..
- شُكراً لا أريد ذلك فأنا على عجلة من أمري ..
عُدت إلى الشارع لأتفاجئ بوجودها قُرب مركبتي ، و في هذه اللحظة قُمت بإخفاء السوار بخفّة في جيب بنطالي ليُصبح موارياً عنها ..
- أنا هنا يا كريستي ، عذراً كنت أبحث عنكِ بالجانب الآخر من الشارع ..
- لا بأس يا صديقي ، هيا لنذهب سوياً في مركبتي ..
- و ماذا عن مركبتي ؟
- دعها هنا ، نريد أن نستمتع سوياً و نبقى بجوار بعضنا لأطول وقت ممكن بدلاً من لحاقك بنا بسيارتك ..
- حسناً ، انتظريني حتى أقوم بإطفاء مُحركها ..
يبدو أنها سعيدة لحُسن حظي ، سأحاول أن أصطاد ودّها وسط هذا الاكتظاظ البشري ..
قُمت بإطفاء محّرك المركبة، و ذهبت إلى الباب المجاور لها لأقوم بفتحه ، و حين فتحته وجدتُ رجلاً بجوارها ! ماذا يحدث بالضبط ؟ فأنا لم أره بسبب العازل الأسود على الزجاج … !
- تعال إلى هذا المقعد خلفي يا جاكي ..
دلفت و كُلي دهشة ، من هذا الرجل الذي يجلس بجوارها ؟ و من هذه الفتاة الجميلة التي تجلس بجواري ؟
- مرحباً بكم ..
- أهلاً و سهلاً بك يا جاك ، سُررت برؤيتك ..
ألقيتُ التحيّة بحرارة ، و داخلي ما زال مجّمداً يبحث عن حرارة جواب ليستفيق من حاله ، و بدأت حينها كريستي بالحديث وسط موسيقى البوب و صيحات جاكسون …
- لأعّرفك على الموجودين جاكي . ستيف ، جاري القديم قبل أن ينتقل إلى مانشستر لإكمال دراساته العُليا ، و آشلي التي أتت برفقته ، صديقة ستيف و جارته الحالية في مانشستر ، ألا ترى ماذا تصنع الصُدفة ؟
دخل الجميع بأجواء ضاحكة رغم إحباطي الشديد مما أنا به ، لماذا لم تأتي كريستي لوحدها معي ؟ تباً لغبائها ..
لم أكن سعيداً بالمعنى التام ، ماذا تقصد بالضبط من إتيانها بشخصين لم أرهما من قبل ؟ هل تلعب الصدفة دورها بالموضوع أم أنها تتعّمد ذلك لكي تتجنب الاحتكاك المباشر بي ؟ مزاجيتها المتقلبة تُؤيد و تُرّجح كفة تعّمدها لهذا الأمر و لا أعلم لماذا تحديداً ! هل لأني لا أستحق ودها ؟ أم أنها لا تتودد للرجال إجمالاً كما أراها بالحرم الجامعي ؟ إنها أنثى تتّخذ من الانطواء وسيلة لتُمارس طُقوسها الخاصة ، فهي تُدخن بشراهة و تشرب بإسراف في النوادي الليلة المترامية على أطراف لندن ، ولا تكترث بما يدور حولها ، هي تسعى لإسعاد نفسها في المقام الأول ثم يأتوا الناس بعد ذلك من ضمن حساباتها .
وصلنا إلى الملاهي ..
و تفّرقنا جميعاً عن بعضنا البعض لمدة ساعة تقريباً ..
و بينما كنتُ أشاهد الفتيّة و هم يلعبون ، شعرت بلمسة إصبع نحيل ينقر كتفي كطائر صغير ..
- لماذا أنت وحدك يا جاك ؟
- لا شيء يا آشلي . أنا سعيد حقاً ، تأملي الأطفال و هم يلهون ، منظرهم رائع ..
- …..
- أين كريستينا و ستيف ؟
- بالجوار ، يلعبون ألعاباً خطرة و تستهلك الكثير من الوقت . هل تشاركني العشاء ؟
- سأكون سعيداً بذلك ..
بحثنا أنا و آشلي عن مطعم لنسد رمق جوعنا ، و بينما نسير في أرجاء هذه الملاهي ، كنّا نقوم بالتعليق على صُراخ الأطفال و الضجيج المصاحب لهم أثناء اللعب حتى وجدنا مطعماً جيداً يقّدم الوجبات السريعة ..
جلسنا على طاولة مستديرة ، و استمرينا بالضحك سوياً و تبادل أحاديث الماضي و علاقتنا بالمُدن الترفيهية قبل قُدوم العشاء . أخبرتها بأن طفولتي لم تكن مُشبعة للشقي الذي يسكن بداخلي ، فقد كنّا نعاني من تفّكك أسري و مشاكل كثيرة لا تنتهي ، كان أبي كثير الخروج من المنزل ولا يعود إلا بساعاتٍ متأخرة من بداية اليوم ، و أمي التي تُعاني من أمراض بالقلب و الدماغ مما يسّبب لها أزمات صحية تؤلمني كثيراً ..
كانت تتأمل كلامي بحسرة ، و قالت ..
- والدي متوفي ، و نحن نعيش على الأرباح التي تنتجها لنا شركتنا التي تركها لنا قبل مماته ، هل سمعت من قبل عن شركة تايلر ؟
- لم أسمع بها من قبل ..
- هي شركة مُنتجات غذائية على مستوى بريطانيا ، و لكننا أصبحنا نهاب الإفلاس فتسقط الشركة ، لا يوجد هنالك أي مصدر نعيش به سواها . حتى والدتي تركت أكاديمية التدريس لتسعى وراء ثروتنا بكل ما تملك من جُهد ..
بدأ صوتها بالانحراف عن مساره الطبيعي .. و أضافت ..
- أخاف كثيراً من المستقبل يا جاك ..
أمسكت يدها بقوّة .. و قُلت لها بصوت ذو ملامح بريئة ..
- جميعنا نخاف منه يا آشلي ، يجب أن نفعل ما بوسعنا فقط و لنترك الساعات القادمة و شأنها .
بعد دقائق من الصمت ، وصل الطعام و طلب النادل أجره ، ست قطع دجاج ، كل قطعة بقيمة ثلاث باوندات ، طلبت من آشلي أن تحسب المبلغ الإجمالي و لكنها أكتفت بالضحك الخجول ، ابتسمتُ و أخرجت له المبلغ المطلوب و قلت لها وسط ضحكات متبادلة فيما بيننا ..
- ما علاقتك بالرياضيات ؟
غطّت عيناها بيديها و قالت ..
- صفر ..
سحبت يديها من عينيها ، و قُمت بتعليمها جدول الضرب عن طريق أصابعها ..
- على الطاولة الآن ست قطع دجاج ، و مبلغ كل قطعة ثلاث باوندات . هذه ثلاث أصابع تمّثل ثمن قطعة ، و هذه ثلاث أصابع أخرى تمّثل ثمن قطعتين ، و هذه ثلاث أصابع أيضاً تمثل قيمة القطعة الثالثة ..
بدأت بالضحك لأنه لم يتبقّى سوى إصبع واحد بيدها ، و حينها اضطررت لضم يدي ليديها لنمثل ثمن القطع المتبقيّة ..
- و هذا ثمن القطعة الرابعة بالاشتراك بين إصبعين مني و إصبعا منكِ ، و هذا ثمن الخامسة و هذا ثمن السادسة . الآن قومي بعّد كلّ الأصابع المضمومة على بعضها ؟
نظرت إلى وضع أيدينا بخجل و قالت ..
- 18 باوند ..
- رائع ، يجب أن اختبركِ لأتأكد من وصول المعلومة جيداً ..
- لقد برد الدجاج جاكي .. !
- سؤال فقط و بعدها نبدأ الأكل .. ماذا لو لدينا أربع قطع ، ثمن القطعة باوندين ؟
فرَدت يديها على الطاولة و بدأت بالحساب ، و قالت بعد بُرهة من التفكير ..
- 8 ياوندات أليس كذلك ؟
- و ماذا عن هذين الإصبعين التي لم تضميها مع البقيّة ؟
- لا شأن لها ، كالإصبعين التي تفاديتهما قبل قليل ..
- رائع رائع ..
تناولنا الطعام على أنغام موسيقى هادئة بداخل المطعم . آشلي متجاوبة تماماً مع حديثي و تتزحلق معي من منحدر لآخر بطريقة سلسة جداً ، و نُعاود التسلق إلى قمّة حديثٍ آخر دون كلل ولا ملل . رنّ هاتفها المحمول …
- سنأتي حالاً ..
قُلت لها ..
- من المتصل ؟
- ستيف و كريستي ، يريدوننا أن نأتي لنذهب ..
- قبل أن نذهب ، أريد أن أهديكِ شيئاً ..
- … ؟
أخرجت السوار من جيب بنطالي ، و وضعته على يدي آشلي وسط ترقبها للموقف ..
- لا أستحق هذا يا جاك ..
- هو لكِ ، اقبليه فقط ، و هذا رقم هاتفي ، قد نلتقي يوماً يا آشلي ..
- سأحفظه بالتأكيد ، و سأتصل يوماً ما بك ..
نهضنا و ذهبنا إلى المركبة بعد سهرة ممتعة غير متوقعة ، و أعادتني كريستي إلى ويستبورن حيث كانت سيارتي ، و قمت بتوديع الجميع رغم أن وداعي كان متركزاً على آشلي ، تلك التي أضافت لسهرتي نكهة لم أتوقع حدوثها أبداً ..
* * * * *
مارس 2002 م
ما معنى أن تُحب بفوضى ؟ هل جّرب أحد العشّاق الحقيقيون بأن يتوازنوا ما بين خطٍ فاصل لحُبّين مختلفين ؟ هنا سيبدو الأمر صعباً بكل ما تعنيه الكلمة من معنَى ، فالحب بمعناه الحقيقي هو مُحاولة لصُنع قاعدة واحدة تلم شمل المُحب و خليله ، و الحب بمعناه الفوضوي هو مُحاولة لترتيب صُورة متقاطعة تُرضي مزاجية صاحبها المتقّلب .. يقَّلب بقِطعها كيفما يشاء ..
في الحقيقية ، أملك في قلبي حُباً فوضوياً حقيقياً ! أريد أن أقّلب قاعدتي ما بين آشلي الغائبة و كريستينا الحاضرة ، أريد أن أرّتب الصُورة التي تُلائم مقاس رغبتي لكل يوم ، كأن أرى وجهاً يجمع زُرقة عينيّ آشلي و أنفها الصغير ، و شفاه كريستينا البارزة و بشرتها البرونزية ، و أعيش مستمتعاً بهذا الحب الفوضوي الحقيقي . أرغب ( بطريقةٍ ما ) بان أجمع حُبهما في معادلة من الدرجة الثانية لأحصل على جوابين صحيحين تماماً ..
آشلي يا جميلتي ، سأخبركِ بسر قبل ولوجي من باب حب كريستينا الكبير ، كم أحبكِ كثيراً يا فتاتي الكسولة ، و كم أعشق روحكِ المُغامرة يا طفلتي الحبيبة . كيف سيبدو شارع برايندلي من دُونك ؟ و من سيحيك لي الأمان إن عبرتُ من خلاله ؟ وما عدد الوخزات التي ستُصيب قدميّ و قَلبي إن صدف أمام عينيّ ؟
وداعاً حبيبتي ، وداعاً لصمتكِ الذي قتلني ، وداعاً لأحزاني التي تشّبثت بدروبكِ الباحثة عني ، وداعاً للوعد الذي منحتكِ إياه بأن أبقى معكِ للأبد ، و حبيباً لكِ لحين أموت ، و وداعاً لكل الكنائس التي قَبلت توبتكِ من حُبي و لم تقبل صلاتي لأن تكوني معي ..
* * * * *
صافحتُ حبي الجديد بحرارة ، و ضممته بكل ما أملك من دفءٍ متبَّقي بأوردتي ، لم أشعر بهذه الطمأنينة مُنذ زمنٍ بعيد ، هي طمأنينة الولوج لباب حُبٍ يُفتح لأول مرّة . كمَن يُعاني من حرارة ظهيرةٍ ساخنة ، و يدخل بشكل مفاجئ إلى زاوية مكّيفة تُوازن كل أحاسيسه المشتتة بسبب سخونة الأيام و قسوتها ..
ما ألذ هذا المدعو بالحُب ، وما أكبر بابه ، أنا الذي أخطو إليه بجديّة أكبر هذه المرّة ، و أقطف من ثماره المنسدلة على أطراف حدائقه الغنّاءة . هذا الحب أشبه بجنّة كبيرة جداً ، أُعِّدت لكي أنعَم بمحاصيلها التي لا تنتظر أي مُستهلكٍ في هذا العالم سواي ..
هذه الزهور البديعة تنتظر رقصتي ، و تلك النحلات مُستعدّة لأني تبني مملكة متكاملة من حبوب لقاحي المنثورة بكل أرجاءها ..
هذه الجنّة لا تُشبه جنّتي القديمة مع آشلي .
بالسابق ، لم أكن أملك صكوكاً شرعية تخّولني لبناء أيَّ قطعةٍ بها ، فسُور زواجها قَسَم تلك الجنّة إلى قسمين ، قسمٌ برعاية زوجها ، يُشرف به كيفما يشاء ، و الآخر برعايتي المرتعشة ، و لا أُشرف سِوى على بقايا ذلك الرجل ليلاً ، فأنا أخاف النهار برفقتها لكي لا ترانا السماء ، على عكس اندرسون الذي يُمارس كافة أنشطته معها دون أي يخاف من حرارة الشمس ، ولا من لهيب الألسنة التي تحرق دون اكتراث ..
لم أصّدق أن جنّة كريستينا بهذا المتّسع الذي يحتويني ..
جميع الأشجار ناضجة ، جميع الفواكه محّللة و جاهزة للأكل ، و كل الأراضي قابلة للزراعة و الرَّي من قِبلي ، حيث لا رماد يجر من خلفه خيبات الماضي ، و لا خريف ليقتلع موسم ربيعي .
حبّها أشبه بفكرة زينوب غرام حين أكتشف موّلده الكهربائي لأول مرَّة ، إذ أضاءت فكرتها كلَّ مساحات حبي المظلمة ، سواءً تلك المعطوبة من قِبل آشلي أو حتى الجديدة التي لم تُكتشف بعد ! سأكون التجربة التي تُعلن نجاح اكتشافك ، و تكوني الفكرة المدّونة في سماء كل مهتّم بأوائل الاكتشافات ..
سأزرع القرنفل بكل حدائقنا ، و أعلن بأنكِ موسم حصادي الطامع إليه ..
سأحبكِ و أحبكِ و أحبكِ ..
و ستُحبكِ كل حديقة ، و كل زهرة ليمون نبتت بجواركِ ..
* * * * *
تناولت أحد دفاتري القديمة و دوّنت تاريخ حزني اليوم ، و بدأت بكتابة بعض القصائد في أركان هوامشه ، أعدت النظر لها فوجدتها هي الأخرى تختبئ بعيداً عن الأسطر ، و لا تملك الثقة الكافية لأن تقف فوقه بثبات. مكتوبةٌ بشكلٍ مائل غير مُغرٍ للقراءة ، كأنها معّدة لأن تُقرأ مرةً واحدة فقط ، و من ثم تصبح غير قابلة للاستعمال ..
توالي الأحداث يكّدس الكثير في ذاكرة مفاهيمي ، و نظرتي للكثير من الأمور في تغيرٍ مستمر ، حتى الحب الذي لم أُلقي له بالاً بأيامي الخوالي ، بدأ بالوُلوج العميق بي ، نظرتي للأنثى لم تَعد عابرة ، و أصبح تفصيلها من ضمن هواياتي المحببة ، كأن أفهم كيف تفكر ، أو حتى كيف ترى الحياة من عينيها ، و ما هو تعريفها للحب وما هي أطواره الأكثر لذة لنكهة مزاجها الخاصة ..
آه من النوم ، و الفراغ الشاسع الساكن به و الذي لا يجعلنا نتذوق النكهة الأخيرة من الحلم ، كم من قبرٍ سيضم أمانينا ؟ وهل سيتمكن دود الأرض من تَحليل كافة جزيئاتها ؟
الحب إجمالاً يُشبه لعبة شدّ الحبل ، يجر آدم شوقه برفق ، و يستحث حواء لأن تُشاركه اللعب ، و تبدأ الإثارة فيما بينهما ، كلاً يريد إثبات وجوده لتستمر حكاياتهما بالضحكات المتناثرة في تلك الأجواء ..
و بعد حينٍ من الزمن ..
تتساوى قوّة الأشواق ، ليستقر الحبل في منتصف حبهما ، و يرضيا بتلك القسمة في بينهما ،
لم يكن الحبل جاداً بيني وبين كريستينا ، كانت تحاول أن تربطه بشيءٍ ما بجسدي ، و لم أشعر بهِ إلا مؤخراً ..
كانت تلك المكالمة هي الميثاق الذي استمسكَ بعروتي الوثقى ،
و أخذت بكلي إلى قلبها ،
لم يكن الأمر سهلاً ، فبدايتي كانت شبه حمقاء ، و لم أكن قادراً على توزيع مشاعري بالشكل الذي ينبغي أن تظهر به . في ذلك الوقت ، شعرت بأن الخوف قد دبَّ بقلبك ، و صناعتي لذلك الضجيج المدّوي من حولك لم يكن إلا ناتجاً من معادلات تهوري .
عملية جمعي لما بين قوسيّ مشاعرك تمّت قبل ضربهما ، و هذا ما أدّى إلى بعض الفوضى ، و ظهور بعض النتائج عكس حقيقتها ، و على ذلك وُجِد خوفك الذي أسعى جاهداً لأن أزيله من أعماق جذوره ، و أن أجمع حُسن الرجال في جسدي الذي احَّبكِ ، و أصبح خياركِ الدائم في مشاعرك الرقيقة ..
حُبكِ أصبح شرياناً ثالثاً في قلبي ، إذ تتعاطى خلاياه كافة أحاسيسك ذهاباً و إياباً ، و يحمل بين أنابيبهِ كل تلك المشاعر اللذيذة التي تنعش فوضى حواسي ، حبكِ هو القادر على إعادة تهيئتي من جديد ، و هو الذي يأخذني إلى عالمكِ المليء بالألوان و الرذاذ ..
المُقتحم كما يُعَّرفه الناس ، هو ذلك السيئ الذي يتجاوز حقوق غيرهِ بغض النظر عن الأهداف المرجوّة من فعلته ..
و الاقتحام بنظري هو الحياة ، خصوصاً ذلك المختبئ خلف الأحاسيس البشرية ..
هل تُدركي ما حجم الاقتحام الذي أقدَمتُ عليه معكِ ؟
هذا الاقتحام أشبه بعاصفةٍ هوجاء ضربت ساحل لم يتذوق طعمَ فيضان ، ذلك الشُعور الذي يخلق الفوضى من قلب الأمان ، من يصّدق أن هذا البحر الهادئ قام بكل ذلك ؟
ما زلت أشعر بثِقل كاهلي من هذا الحب ، كيف لقلبي المرهف أن يجمع ما بين حُبين مختلفين بآنٍ واحد ؟
يقول شوبنهاور : ” كل مآسينا تقريبا تنبع من صلاتنا بالآخرين ” ..
أنا الذي أصارع اليأس و المآسي جرّاء معرفتي بكما ، و أعاني من الفوضى التي بلّلت كل رداء في خزينة حياتي. كان لابد لي من حقيقة سامية ترتقي فوق كل كذبة ، كالشمس مثلاً ، فهي تجّفف كل بللٍ بلا مُقابل و تسعى لأن تُنير كل زاوية بهذا الكون الفسيح ، و ترحل باتزان عظيم لتتّزن أجسادنا بدورة حياتها ..
تابع ..












